سينما
اكتب تعليقُا

«أشباح إسماعيل» للفرنسي أرنو ديبلوشان

★★★★★

اختار مهرجان كان السينمائي هذا العام أن يفتتح بفيلم هو فرنسي في أكثر من جانب، فإضافة إلى المخرج المواظب على حضور المهرجان بأفلامه، فقد أدى البطولة أربعة من أكثر الممثلين حضوراً اليوم في السينما الفرنسية، نضيف إلى ذلك الحكاية، أسلوب سردها، الإطالة، تداخل الحكايتين، الحياة الداخلية للشخصيات، تداخل علاقات الحب، وغيرها من المسائل التقنية كحديث إحدى الشخصيات للكاميرا، للمشاهدين، ما يذكّرنا بمشاهد في أفلام قد يكون أبرزها «بييرو المجنون» لجان لوك غودار، وكذلك المشهد المرهف الذي يتحدث فيه المخرج (الشخصية الرئيسية) مع الممثلة التي ستصير صديقته، كان نسخة عن مشهد أثير لوودي ألن في فيلمه «ذكريات ستاردست».

إسماعيل (ماتيو أمالريك)، مخرج سينمائي، نعرف من البداية أنه فقد زوجته منذ عشرين عاماً، وأن علاقته قويّة بوالدها، الذي يعمل كمخرج سينمائي هو الآخر والذي لا يستطيع تجاوز حقيقة أن ابنته اختفت دون أن يعرف أحد أين وكيف. إسماعيل تجاوز المسألة إنما بعد سنين، إذ أعلن عنها كميّتة في سجلات الدولة. يخرج إسماعيل من المدينة، مع صديقته سيلفيا (شارلوت غيسنبورغ) إلى جزيرة للعمل على كتابة فيلمه الجديد، يتخلل ذلك استعادات نشاهدها لكيفيّة تعارفهما على بعضهما، وتعرّفنا نحن على شخصية كل منهما، هي الهادئة وهو المجنون، ما يفهّمنا أكثر سلوك كل منهما خلال الفترات اللاحقة في الفيلم. وهذه الاستعادات الزمانية تخص أسلوب السرد وسنأتي عليه.

في الجزيرة، تظهر زوجته شارلوتا (ماريون كوتيار) بعد عشرين عاماً من الاختفاء الفجائي، في الشاطئ، لتخبر صديقته بأنها زوجته، وتسألها عن إسماعيل، تذهبان إلى البيت حيث يكتب. هناك تبقى الزوجة السابقة، شارلوتا، ليومين. لا تطيق سيلفيا ذلك فتقرر الرحيل، في وقت ظل إسماعيل يؤكد لها أن زوجته السابقة، التي لا نثق بمصداقية كلامها لإيحائه بجنون قد مسّها، أنها ليست أكثر من ميتة بالنسبة له.

هذا النصف الأول من الفيلم الطويل نسبياً، وقد عُرض في المهرجان والصالات الفرنسية بنسخة أقصر تمتد لساعتين تقريباً. أما النصف الثاني فيدور حول الحالة النفسية لإسماعيل ومساسه للجنون هو كذلك، بعد ما حصل له في النصف الأول إثر عودة زوجته. نرى أكثر حياته المهنية في النصف الثاني وقد قرر التوقف عن تصوير فيلم في منتصفه، مستوحاة قصّته من أخيه (لوي غاريل). مع مرور الفيلم، ندخل أكثر في تعقيدات حياته العاطفية والمهنية، وتتداخل هذه وتلك، إلى أن يصل الفيلم إلى نهايته.

هذه هي الحكاية، وهي ملفتة ويكفي سردها بشكل كلاسيكي وزمني لتكون جيّدة، إنّما اختار المخرج أرنو ديبلوشان أن يُدخل أسلوباً خاصاً في سردها، حيث تتداخل الأزمنة، تماماً كما فعل في فيلمه السابق والبديع «ثلاث ذكريات من صباي» (٢٠١٥).

يعتمد الفيلم على إشارات مباشرة للنقل في الزمن، كأن يكتب على الشاشة «قبل عامين». وذلك للعودة إلى الزمن الذي التقى فيه إسماعيل بسيلفيا، لكنّه يعود به ضمن صوت سردي خاص هو صوت سيلفيا، أي نشاهده حسب روايتها لما حصل، وهي التي تنهي الفيلم بصوتها كذلك، مواجِهة الكاميرا، مخاطبة المشاهدين سائلة إن أردنا أن نعرف كيف ستكون النهاية. كأنّها، وهي شخصية ثالثة، كانت تحكي لنا عن الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم.

هذا التداخل بين الواقعي والخيالي في نقل القصة، بين الأسلوب الكلاسيكي في روايتها، أي تصويرها مباشرة للمُشاهد، وبين روايتها بصوت إحدى الشخصيات، إضافة إلى مَشاهد كانت أقرب إلى الاستيهامات، خارج سير الحكاية في الفيلم، إضافة إلى ما نعرفه ونتركه معلّقاً، نسمعه على صوت الزوجة السابقة ونتركه معلّقاً دون البناء عليه، لعدم تصديق لا المُشاهد ولا الشخصيات لما تقوله، إضافة إلى الحكاية الموازية لحياة إسماعيل وامرأتيه، وهي حكاية الفيلم الذي يصوّره عن أخيه، وهي هنا أبعد ما تكون عن الحكاية الأساسية في الفيلم، فهي عن الدبلوماسية والجاسوسية، ما جعل الحكايتين متوازيتين، متنافرتين، متداخلتين من خلال إسماعيل ذاته، الاثنتان واقعيّتان إنما تبدوان كأنهما في عالمين مختلفين، فيلمين مختلفين، ذلك كلّه جعل الفيلم حيوياً ومليئاً بالذرى الفرعية، إنّما، لانغماسنا في الحكاية الأساسية في الفيلم، إسماعيل وامرأتيه، لمسنا إطالة في سرد حكاية الفيلم الذي صوّره إسماعيل، أي أن أحدنا قد ينحاز أكثر لزيادة منسوب فيلم أرنو ديبلوشان على فيلم إسماعيل.

للفيلم علاقة بفيلم سابق للمخرج هو «كيف تناقشت… حياتي الجنسية» في ١٩٩٦، وللمخرج أفلام أخرى شاركت في المهرجان ذاته منها «جيمّي بي» في ٢٠١٣ و«حكاية كريسماس» في ٢٠٠٨ و«ملوك وملكات» في ٢٠٠٤ وغيرها، وفي هذه المذكورة وغيرها كان لماتيو أمالريك دوراً أساسياً أو ثانوياً.

يقدّم مخرج الفيلم نفسه فيه كسينيفيليّ، لا من خلال كون بطله مخرج سينما، وهو موضوع تم طرحه مراراً لدى كبار المخرجين، فيكون فيلماً عن صناعة الفيلم، ولا من خلال الفنّية التي تناول بها حكايته، بل من خلال إشارات سريعة أو تذكير بهؤلاء المخرجين الكبار، قد يكون على رأسهم، إضافة إلى غودار وألِن، فرانسوا تروفو وإنغمار بيرغمان وألفرد هيتشكوك، إذ أن تأثّر الفيلم بأفلام لهم كان واضحاً، منها لقطات الإثارة ومخاطبة الكاميرا وتداخل العلاقات والحالات السيكولوجية للشخصيات ببعضها وغيرها.

يشكّل الفيلم (Les Fantomes d’Ismaël) بداية جيّدة لموسم جديد لأفلام فرنسية تمهّد للصيف، مع كل دورة جديدة من مهرجان كان، إذ ننتظر اليوم أفلاماً أخرى ستخرج إلى الصالات الفرنسية تباعاً، بالتزامن مع عرضها في المهرجان.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s