سينما
اكتب تعليقُا

«ما بعد العاصفة» للياباني هيروكازو كوريدا

★★★

فيلم آسيوي من تلك التي تجد الطيبةُ والحميميةُ في المشاعر مكاناً واسعاً لها، في بيت ضيّق، بيت والدة الشخصية الرئيسية في الفيلم، وفي الخيارات الضيقة للشخصيات، وهي أربع: البطل وطليقته وابنهما، وأمّه. هذا الضيق في الحياة التي نشاهدها على الشاشة أتى بحميمية تغذّت من العاصفة في الخارج، واستدعائها النّاس للمكوث في بيوتهم، حيث انحبس الأربعة وأمضوا ليلة لم يعرف أحد منهم أن ينام فيها.

هذه الأجواء الهادئة رسمتها الشخصيات الرئيسية في الفيلم، جميعها، باستثناء الطفل ربما، حتى النقاشات بين البطل وطليقته، التي يرغب بعودتها إليه، كانت هادئة. ولم يكن هذا الهدوء خالياً من سوء الحظ أو البؤس، سوء حظه للبطل، من الناحية العاطفية والزوجية كما من الناحية المهنية، فهو روائي تجبره الظروف على الكتابة لرسوم المانجا.

فالبطل، ريوتا (هيروشي آبي)، تتركه زوجته كيوتو (يوكو ماكي) بسبب انشغاله بنفسه وعدم أهليّته للصرف على ابنهما الوحيد، كما أنه بالنسبة لابنه ليس أباً كفؤاً، ولا هو أخ كفؤ بالنسبة لأخته، التي تخبّئ منه بطاقات اللوتو، هو جيّد فقط بالنسبة لأمّه التي لن تكون نظرتها له، بكل الأحوال، حيادية. لكنّه ليس شريراً، بل لم يظهر في الفيلم إلا الرجل الطيّب الذي يعجز، لطبيعته البسيطة، عن إقناع من حوله بخلاف آرائهم به. قد تكون آراؤهم، أخته مثلاً، متعلقة بمهنته كروائي، فهي لا تخفي انزعاجها منه لكونه أشار إلى أسرار عائلية في الرواية.

جلبت الرواية الأولى لريوتا الشهرة، لكنه لم يحتفظ بمستواه الأدبي، فصارت تأتيه عروض الكتابة للمانجا، وهي معنوياً أدنى له من الكتابة الروائية وإن كانت أكثر دراً للنقود، كما أنه عاد إلى مهنته الأولى وهي التحرّي، فهو متحر خاص يلحق أشخاصاً ويلتقط صورهم ويسجّل ملاحظات تجاههم، بإمكانه أن يفعلها لمشاريعه الروائية لكنه هنا يفعلها تحت طلب عملائه ومقابل المال.

لا نراه يكتب في الفيلم، أي لا نراه يمارس الشيء الوحيد الذي يحب ممارسته، بل نراه يتجسس على زوجته، إذ يمارس مهنته كتحرٍّ خاص على زوجته، وبدافع ذاتي، يراقبها هي وابنهما وصديقها الجديد دون أن يجرؤ على الاقتراب، ودون أن يستثمر لشيء هذا التجسس، لنعرف أكثر، كمشاهدين، مدى بساطة هذا الرجل وهشاشته و، كذلك، سلبيته تجاه مسائله الأكثر حميمية.

الفيلم هنا فيلم بطله، حتى الأجواء الهادئة فيه هي انعكاس للهدوء لدى ريوتا، وسلبية ردود فعله مع الجميع. السلبية المنكفئة غير المؤذية إلا صاحبها. الأساس في الفيلم هو علاقاته بمن حوله، إذ يتم تقديم الشخصيات الأخرى بالعلاقة معه، نعرف أمّه من خلال ما نعرفه من علاقتها معه، من كلامها وسلوكها تجاهه، وكذلك الحال مع أخته، وكذلك طليقته وابنه، جميعهم تم تقديمهم بما هم بالنسبة له، والسمات الأبرز لشخصياتهم قُدّمت بما هي عليه أثناء الحديث معه، مضمون الحديث وشكله.

والعنوان وثيق الصلة بريوتا، بشخصيته، فكان «ما بعد العاصفة»، والهدوء الذي يسبق العاصفة، ويلحقها، بالمقارنة مع الضجة التي تحدثها، أتت مقرونة بشخصيته كما هي، قبل العاصة وبعدها، وأثناءها وقد أمضوا جميعاً الليلة في بيت أمّه الدافئ. لكن أكثر ما يمكن ربطه بين فكرة العاصفة وريوتا، وهي هنا مسألة درامية أساسية، هي عدم التطوّر في شخصيته، فهو هو في المشاهد الأولى للفيلم كما في مشاهده الأخيرة، أي أن الحال هي هي قبل العاصفة وبعدها. يبدأ الفيلم به وحيداً وينتهي كذلك، يبدأ به خائباً من الناحية المهنية والعاطفية وينتهي كذلك، حتى علاقته بطليقته، التي حاول مراراً إقناعها بالعودة إليه، لم تتغير، ففي بداية الفيلم كما في نهايته، يمشي هو من طريق وهي من آخر، هي مع ابنها لتلتقي بصديقها وهو ليمضي اليوم لوحده، في بيته الضيق والفوضوي في طوكيو، محاولاً العودة إلى الكتابة، لكنه لا يفلح في أن يخرج من روتين البؤس الهادئ الذي يعيشه، والذي طبع الفيلمَ بأكمله. ولن نستطيع، أخيراً، ألا نتعاطف في الفيلم مع جميع شخصياته، في الوقت ذاته نُعجب بالرجل وبطليقته، ونرى بأن كليهما على حق.

الفيلم، (apres la tempete)، شارك في مهرجان كان الأخير، في تظاهرة “نظرة ما” ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s