سينما
اكتب تعليقُا

«١١ دقيقة» للبولوني جيرزي سكوليموفسكي

★★★★★

يمكن القول إنه فيلم ينجزه الكبار، ليس بالفكرة فيه، وهي ملفتة، إنما بكيفية تنفيذها، بالشكل الأخير الذي ظهر عليه الفيلم. أما الفكرة فهي تصوير متزامن لأكثر من شخصية تلتقي، أخيراً، في لحظة ما ينتهي عندها الفيلم، أو تلتقي مصائرها في هذه اللحظة، الشخصيات جميعها. كي لا نبتعد كثيراً بالأمثلة، المشاهد الأخيرة للفيلم الأخير لثلاثية «الألوان الثلاثة» للمخرج البولوني كذلك، البديع كريستوف كيسلوفسكي، جمعت شخصيات رئيسية من الأفلام الثلاثة.

ليست التقنية جديدة إذن، لكنها أُنجزت، أخيراً، بشكل يجعل الفيلم مرجعاً لهذه التقنية في السرد، في نقل حيوات متعددة متوازية في مكان وزمان وحيدين، لا علاقة لإحداها بالأخرى إلا بالقدر الذي يجمعها فيها مشهد أو مشاهد أخيرة في الفيلم. وأخذاً بعين الاعتبار السيرة الفيلمية لسكوليموفسكي لا يجب توقّع جودة أقل لفيلم ينجزه وهو الآن في ٧٧ من عمره.

في الفيلم عدة شخصيات، هنالك ما يربطها بشكل غير مباشر في مدينة وارسو في الخامسة عصراً: مخرج السينما المتحرّش بممثلة تزوره في غرفته في فندق ليبحثا في عمل لها في فيلمه، ولهذه الممثلة الجميلة زوج غيور يلحقها إلى الفندق ويمضي الوقت في الممر أمام الغرفة. يمر الأخير بجانب بائع هوت دوغ على عربة في حديقة مقابل الفندق، لهذا البائع حكايته، من زبائنه خمس راهبات، له ابن يعمل على دراجة لإيصال الطلبات. في المبنى المقابل عشيقان، أحدهما يعمل كمنظف لزجاج المبنى من خارجه، يوقف المصعد الخارجي أمام نافذة حبيبته ويدخل ليمضي وقتاً معها، وهذه الأخيرة ممثلة في فيلم بورنو… وآخرون. في لحظة واحدة وفي مكان واحد يجتمعون لينتهي الفيلم بكارثة.

أما الكارثة فهي غير متوقعة بالمرّة، تبدأ بكسر الزوج الغيور لقفل باب الغرفة بطفّاية حريق وتنتهي بحوادث خارج الفندق وبقتلى، يتداعى كل ذلك كأحجار الدومينوز، في أقل من دقيقة تحصل الكارثة التي لم يكن هناك ما يشير إليها، بحجمها، قبل لحظات. وهذه نظرة المخرج للحياة التي نعيشها، وقد قالها في مقابلة أجريت معه في صالة السينماتيك في تولوز مقدّماً لعرض الفيلم، قبل أيام، أن العالم الذي نعيش فيه يسير إلى هاوية لا نعرف في أي لحظة يمكن أن نصلها، ولا نعرف اللحظات الأخيرة للحياة العادية التي ستقطع روتينها هذه الكارثة.

لكل ذلك، ليس هنالك حكاية في الفيلم الذي تجري أحداثه أساساً في ١١ دقيقة، تبدأ من الخامسة تماماً، فيلم كامل، بساعة وعشرين دقيقة، تجري أحداثه، الموزّعة على الشخصيات، بإحدى عشرة دقيقة، ما لا يسمح بسرد حكاية، بل بنقل مجتزآت من حكايات عدة، لتتقاطع هذه المجتزآت في النهاية. كما أن ١١ دقيقة لا تكفي لبناء شخصية، كل الشخصيات لم تُقدّم بأكثر من ١١ دقيقة من حياتها، وهي الإحدى عشرة دقيقة الأخيرة في حيواتها. فكان الشغل لا على بناء الحكاية أو الشخصيات بل على بناء الصُّدف، لحظات الصدفة التي تتقاطع عندها هذه الشخصيات.

في فيلم دون شخصيات تُبنى وتتطور درامياً ودون حكاية واحدة يتابعها المُشاهد، كان لا بد من الاعتماد على التقنية لملئ الساعة والعشرين دقيقة من مدة الفيلم، وهذه التقنية هي هنا أولاً إعادة التصوير لبعض اللحظات لدى بعض الشخصيات، إنما من زوايا مختلفة، وبمراحل متفاوتة من الفيلم ما يجعلنا نفهم ما لم نفهمه في التصوير الأول للحظة ذاتها. وثانياً فإن التقنية هذه تعتمد على المونتاج، وللمونتاج دور كبير في صناعة الفيلم، أو تحديداً في أسلوب سرد ما أسميتها المجتزآت من حيوات الشخصيات المتعددة فيه.

هذه الإعادة تسبّب للمشاهد إدراكاً مختلفاً لما يحصل أمامه، للتوتر المتصاعد، للالتقاء بين الشخصيات والذي نشعر باقترابه كلّما اقترب الفيلم من نهايته، والتكرار يصل إلى لقطات قد لا تكون مفهومة حتى يصل الفيلم إلى نهايته، لقطات رمزية لا وظيفة أخرى لها في الفيلم، وهي عديدة، وكانت تُنبّئ، بشكل ما، بكارثة قادمة، أساس الكارثة هو تراكم محرّضاتها الكامنة في حيوات الشخصيات، والصدفة التي تشعل هذه المحرّضات كلّها مرة واحدة.

الفيلم (11 Minutes) من كتابة مخرجه، سكوليموفسكي، له بداية ونهاية بديعتين، زوايا تصوير ولقطات تجمع بين القريبة والبعيدة، بديعة كذلك، استخدام ملفت للصوت والموسيقى، وهو فيلم لا يتكرر خلال السنة. شارك في ٢٠١٥ في كل من مهرجاني فينيسيا وتورونتو، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

يأتي الفيلم ليضيف إلى بعض أفلام سكوليموفسكي الممتازة، وهو مختلف عنها جميعها في طبيعته، كـ «قتل أساسي» في ٢٠١٠ و «أربع ليال مع آنا» في ٢٠٠٨ و «شغل أسود» في ١٩٨٢ و «المغادرة» في ١٩٦٧ وغيرها.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s