سينما
اكتب تعليقُا

«الرجل الذي أحبّ النساء» للفرنسي فرانسوا تروفو (١٩٧٧)

★★★★★

هو من الأفلام الأخيرة للمخرج الفرنسي الذي كان من بين المؤسسين لـ «الموجة الجديدة» في أوائل ستينات القرن الماضي، وذلك من خلال فيلمه الأول «٤٠٠ ضربة» (١٩٥٩) والذي بدأ سلسلة أفلام لشخصية واحدة اسمها أنطوان دوانيل.

يمكن القول أن فيلم «الرجل الذي أحبّ النساء» مبني على اثنين من أكثر ما يستهوي تروفو: النساء والكتب. وذلك للحكاية فيه: فبطله بيرتران (شارل دينّيه) مهووس بالنساء أولاً وبالكتب ثانياً، وليس الفيلم عنه بل عن هذا الهوس، حيث يعبّر عن الأول من خلال الثاني، إذ يكتب رواية عن علاقاته المتعددة.

يبدأ الفيلم حيث ينتهي، نساء عديدات، وفقط نساء، بشخصيات وملابس وأشكال متنوعة، تقف حزينات أثناء دفن بيرتران، لتبدأ بعدها حكايته التي أوصلته باكراً إلى قبره. رجل أعزب، يمضي معظم وقته في تعقّب النساء، دون التردد في البحث عمّن أعجبته منهن والتواصل معها، أما أول ما يعجبه بهنّ فهي الساقان، في زمن كانت ترتدي فيه النساء، غالباً، فساتين وتنانير، يتنقّل من واحدة إلى أخرى، إلى أن يجد نفسه، أخيراً، في مستشفى بعدما صدمته سيّارة وهو يلحق بإحداهن، ثم، في المستشفى، يلقى حتفه وهو على السرير بعدما حاول النهوض ليقترب من الممرضة ذات المريول الكاشف عن ساقيها وخيال فخذيها فيقع ويموت.

القصص التفصيلية، قصصه مع كل امرأة، كانت عديدة، ولذلك كان لا بد من أن تكون سريعة بالكاد نتذكر فيها وجه الامرأة واسمها، لكن في كل منها ما يميّز قصّتها، أو تجربته معها، كتلك التي أتته مرة ترتدي فستاناً يتطلّب خلعه فكّ ٣٦ زراً تمتد على طوله. وهنالك نساء استمرّت معه لفترات أطول، أما ما جمعهن كلّهن فهو رغبتهن لإقامة علاقة دائمة معه في وقت كان هو يصر على أن يبقى كل منهما حراً، متجنباً حتى أن ينام أحدهما عند الآخر.

لم يقع الفيلم، رغم موضوعه، في خطاب ذكوريّة يمكن أن يكون مزعجاً للمشاهِدات، وذلك لأمرين، لتنوّع شخصيات النساء فيه، وأساساً للباقته في تعامله معهن واحترامه لهن، مَن صاحبهن ليومين أو شهرين، وهو ليس فيلماً عن النساء بعين رجل، بل فيلماً عنهن بحضورهن، غير متكرّرات، في حياة رجل أحب واحترم كلاً منهن على حدة، وبطريقته.

أهم ما يمكن أن يُقال عن الفيلم يخص طريقة سرده لحكايته، فهو يبدأ وينتهي في اللحظة ذاتها، أثناء دفنه، لكن الأحداث فيه، بين المشهدين الأول والأخير، تُنقل بثلاثة أساليب: الأسلوب السينمائي إذ تصوّر الكاميرا بشكل موضوعي بيرتران ومغامراته مع النساء، الأسلوب الأدبي إذ نشاهده، في مشاهد طويلة، يكتب روايته عن مغامراته، مع سماعنا له يقرأ ما يكتبه، يرويه بشكل ذاتي، ومشاهدتنا أحياناً لقطات تصوّر ما نسمعه. وثالثاً وهو أسلوب يدمج السينما بالأدب، وكان بمثابة الخاتمة للفيلم، وهو ما نسمعه بلسان المحرّرة في دار النشر التي أودع عندها مخطوطة روايته، إذ نشاهد لقطات لها تحكي فيها بشكل مباشر، في مشهد الدفن، في تزامن بين ما نسمعه وما نشاهده، تحكي عن النساء العديدات الآتيات لتوديعه.

ولكل من الأساليب الثلاثة المتتابعة في نقل الحكاية وظيفته: في الأول، في الساعة الأولى من الفيلم، يتم تقديم الشخصية الرئيسية، نشاهد ملاحقة حقيقية ومباشرة لامرأة، ومحاولته الدؤوبة، المبالَغ بها للجانب الكوميدي في الفيلم، للوصول إليها، ثم تحرّشاته التليفونية، ثم نظراته اللاحقة لسيقان النساء في الشوارع والمحال، بعدها يقرّر أن يكتب رواية تحكي عن مغامراته معهن، فيلتزم البيت ويهجس بالكتابة، ليلاً نهاراً، إلى أن ينهيه، أثناءها نسمعه يقرأ ما يكتبه، ثم نشاهده في استعادات لمغامراته السابقة والعديدة مع النساء، يتخلّل ذلك مشاهد عن انجازه للرواية واستكماله لبعض مغامراته أثناءها، إلى أن يقيم علاقة، أخيرة في حياته، مع المحرّرة في دار النشر التي انجذبت، كالأخريات، إليه.

شارك الفيلم (L’Homme qui aimait les femmes) في مهرجان برلين السينمائي، وعُرض مؤخراً في سينماتيك تولوز، ويكون هذا العام قد مر أربعون عاماً على إنتاجه.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s