سينما
اكتب تعليقُا

«كليو من ٥ إلى ٧» للفرنسية أنيِس ڤاردا (١٩٦٢)

★★★★★

الحديث عن السينما الفرنسية التي بدأت منذ أوائل ستينيات القرن الماضي يتركّز أساساً حول «الموجة الجديدة» التي انتقل مخرجوها من كونهم نقّاداً في المجلة السينمائية «دفاتر السينما» إلى كونهم مخرجين نقديين، بدأ ذلك مع جان لوك غودار وفرانسوا تروفو وكلود شابرول وآخرين، واستمرت أفلامهم في تطوير التجريبية والثورية التي بدأت بها «الموجة الجديدة» إلى السنوات اللاحقة، وذلك حتى يومنا هذا، بأشكال مختلفة، مع غودار وهو ما يزال حياً، وآخرين متأثرين بهم.

بموازاة «الموجة الجديدة»، كان هنالك جماعة «الضفة اليسارية» في باريس، وهي مجموعة من المخرجين تآلفوا مع «الموجة الجديدة» فيما يخص التجريب، وإن كانوا أقل نجاحاً وتأثيراً، قد يكون أشهرهم ألان رينيه وأنيِس ڤاردا (٨٨ عاماً)، وهي السيدة الوحيدة بين مجموعة مخرجين رجال في كلا التيارين، أو الجناحين لدى «الموجة الجديدة» بمعناها الواسع: «دفاتر السينما» المعنية بالنقد والمتأثرة به و «الضفة اليسارية» المعنية بالأدب والمتأثرة به.

عرضت «سينماتيك تولوز» قبل أيام أحد أفضل أفلام ڤاردا بنسخة مرمّمة، وهو «كليو من ٥ إلى ٧» الذي أخرجته عام ١٩٦٢، حين كانت أفلام الموجة الجديدة الأولى ترسم الخط الفني والتقني لهذه السينما الجديدة، سيكون هذا الفيلم -وهو النسائي الوحيد- من بين أهمّها، وهو فيلمها الثاني لڤاردا.

كليو (كورين مارشان)، مغنّية شابة وجميلة لا تخفي نرجسيتها، تنتظر نتائج تحاليل طبية، تعتقد بأنها مصابة بالسرطان، يصور الفيلم يومها من الخامسة صباحاً حيث يبدأ بزيارة كليو لبصّارة، حتى السابعة مساءً حين تذهب مع رجل التقته في حديقة عامة، إلى المستشفى للسؤال عن النتائج، بين الساعتين تمضي الوقت في الشارع والمقهى، مع مساعِدتها، ثم في البيت حيث يزورها حبيبها المشغول دائماً عنها، ويزورها كذلك أصدقاء موسيقيين غير مبالين بنتائح التحاليل، تزور صديقتها التي تعمل كموديل في مرسم. الأكثر حساسية تجاه قلقها كان الغريب الذي التقته في الحديقة العامة. أحاديث يومية بينها وبين الآخرين تتوزع على طول الفيلم في أمكنته المختلفة من مدينة باريس، بتصوير واقعي لها.

يمكن القول بأن هذه الحكاية المختصرة تُنقل من خلال التصوير والمونتاج أكثر مما هي من خلال الحوارات، ومن خلال الكتابة على الشاشة، التي تفصل بين أزمنة ذلك النهار بفصول تسمّى حسب شخصياتها وأوقاتها (عناوين فصول الفيلم)، وهذا أحد انعكاسات التأثّر بالأدب لدى ڤاردا وباقي مخرجي «الضفة اليسارية».

للمرآة حضور رمزي دائم، في جميع أماكن التصوي: المبنى، السيارة، المتجر، البيت… كتمثيل بصري لفكرة أساسية في الفيلم بأكمله وهي الوجودية.

الوجودية كتيار فلسفي وأدبي ساد آنذاك في فرنسا، هو هنا مطروح سينمائياً. فالمرأة التي لا تترك مرآة تمر من أمامها دون النظر إليها، متأملة جمال وجهها ومتحدثة إلى نفسها أحياناً، ثم معبّرة بقلق عن موت محتمل، تترقب نتائج التحاليل، متراوحة بين وجودها كامرأة مرغوب بها، جميلة وغنية، وبين موت سريع قد يأتي ليقضي على كل ذلك.

صُوّرت العديد من المشاهد في شوارع المدينة، بكاميرا محمولة على الكتف، مع مارّين غرباء ينظرون إلى الكاميرا بفضول، يبدون كمن ينظرون إلى كليو ذاتها، كأنهم، وهم الغرباء، حزينون لقلقها، وهذه الواقعية في التصوير من التقنيات التي أتت بها «الموجة الجديدة» إلى السينما.

تقول ڤاردا في حديث صحافي بأن “اختلافي عن مخرجي الموجة الجديدة هو بأني كنت دائماً مهتمة ببنية الفيلم وليس الحكاية، كان الأمر بالنسبة لكليو فرض تحدٍّ أمام سردٍ مقيد بالزمان والمكان”. وهو ما اشتغلت عليه تقنياً من خلال الصورة والمونتاج، بأحاديث تقصّدت المخرجة، وهي كاتبة السيناريو، بأن تكون عادية، في حالة استثنائية، لا تتكرر كثيراً، وهي انتظار امرأة شابة وجميلة لنتائج تحاليل قلقةً من أن تنبئ باقتراب أجلها.

في إدخال تجريبي لفيلم داخل آخر، تذهب كليو وصديقتها إلى صديق الأخيرة الذي يعمل في صالة سينما، فيشغّل لهما فيلماً صامتاً قصيراً أدى بطولته جان لوك غودار وآنا كارينا وآخرون، حيث ذكّرنا غودار بزيّه وحركاته بالأميركي بستر كيتن.

لا يكسب الفيلم أهميته أساساً من كونه كُتب وأُخرج من الامرأة الوحيدة، آنذاك، في «الموجة الجديدة»، ولا حتى من كونه فيلماً “نسوياً” بطلته امرأة، ونسائياً، ما كان نادراً، وذلك قبل ثورة الطلاب الفرنسية بست سنين، ولا لمضمونه، وإن تضمّن أفكاراً وجودية مدموجة بالنسوية، بل اكتسب قبل كل ذلك أهميته من خلال الشغل التقني والفني، البصري قبل غيره، ما جعله واحداً من الأفلام الواجب مشاهدتها لفهمٍ أفضل للطبيعة السينماتوغرافية لسينما «الموجة الجديدة» بتياريها.

شارك الفيلم (Cléo de 5 à 7) في مهرجان كان السينمائي عام ١٩٦٢، كما شارك بعده في مهرجان ڤينيسيا، ونال جائزة النقد الفرنسي.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s