سينما
اكتب تعليقُا

«مدينة Z المفقودة» للأميركي جيمس غراي

★★★★

توجد ثلاث ميّزات لهذا الفيلم: أولها أنه مبني على أحداث حقيقية ومثيرة، وثانيها أنه مصنوع جيّداً فنياً، وثالثها بعده الإنساني والحضاري. قد لا يكون للأولى والثالثة معنى إن لم يكن الفيلم “مصنوعاً جيّداً فنياً”، من الناحية البصرية، أي تركيزه على الجمالية في الصورة وليس الإبهار التقني، إطارها وزاوية التقاطها وليس “ميكانيكية” حركة الكاميرا بما لدى هوليوود من تقنيات في ذلك، والحديث هنا عن فيلم أميركي استطاع أن يأتي بفيلم مغامرات إلى صالات السينما الفنية في فرنسا، إذ بدأت عروضه قبل الأيام.

سنأتي إلى “بعده الإنساني والحضاري” بعد الحديث عن “أحداث حقيقية ومثيرة” هي قصّة الفيلم المأخوذة عن كتاب بالعنوان نفسه. في بدايات القرن الماضي، تم اختيار فيرسي فاوسيت من قبل الجمعية الجغرافية في لندن للسفر إلى الحدود البرازيلية البوليفية لرسم خريطة لها كي يكف البلدان عن التنازع. وبريطانيا، كما هي إسبانيا والبرتغال آنذاك وهناك، بلد استعماري يرسم الحدود للدول المُستعمَرة، وفكرة الدولة الاستعمارية وما يرافقها من أفكار وسلوك حاضرة في الفيلم. هناك، يقترب من اكتشاف مدينة مختفية في غابات الأمازون يسميها مدينة Z، وقع على أطرافها وكان أول إنسان “أبيض” يطأ أرضها، فيعود إلى بريطانيا ليحدّث عنها ويشرع في رحلات أخرى لاكتشافها بعدما صارت هاجسه الوحيد، تاركاً زوجته وأطفاله في لندن.

القصة حقيقية، وينتهي الفيلم بإشارة مكتوبة إلى أن الاكتشافات الحديثة أثبتت صحة فرضية فاوسيت في وجود مدينة كهذه، كأنها آخر آثار المدينة المفقودة “الدورادو”. لطبيعة القصة، لا يخلو الفيلم من تشويق وإن لم يكن مركز الثقل الأساسي فيه كونه احتوى على ثلاث رحلات استكشافية قصيرة إلى الأمازون، توزعت على طول الفيلم، وليس رحلة واحدة يكفي طولها لبناء عناصر التشويق للمُشاهد. لذلك نرى أن مركز الثقل في الفيلم كان أساساً في مضمونه الإنساني، ساعد على نقله جودة العمل فنياً وحقيقيّة قصته.

عدا عن عموم موضوع الفيلم، ففيه أكثر من إشارة إلى البعد الاستعماري لبريطانيا من جهة، والبعد الحضاري للسكان الأصليين من جهة أخرى، فأثناء إلقاء كلمته، إثر عودته من رحلته الأولى، متحدثاً عن مدينة مفقودة فيها معالم حضارة مختلفة تماماً عن الأوروبية، يذكر بأنّهم، الأوروبيين، يمكن أن يفعلوا في البلاد التي يكتشفونها ما هو غير التدمير، كما أن أحدهم يسأله مستنكراً إن كان يفترض أنّهم و”الهنود”، السكان الأصليين، متساوون، كأناس، ليرد فاوسيت بأنه لا يعرف لكنه يحاول اكتشاف مدى حقيقة ذلك، ثم، وفي الكلمة ذاتها، وهو ما أثار حفيظة وشغب الحضور، وهم من برجوازية لندن، قال بأن في تلك المدينة، في غابات الأمازون، أو “الصحراء الخضراء” كما سماها، حضارة إنسانية مختلفة تماماً وقد تفوق حضارة الأوروبيين في عمرها.

يتخلل الفيلم إشارات غيرها في البعد الإنساني له من خلال أقوال وتصرفات للرحالة فاوسيت، وكذلك في الغايات الخبيثة من رحلات الاستكشاف المزدهرة أثناء الحقب الاستعمارية، وقد انعكس ذلك مراراً في الأدب، نذكر هنا «قلب الظلام» للبولندي البريطاني جوزيف كونراد، ودراسات الفلسطيني إدوارد سعيد المطوّلة عليها كمنوذج ثقافي مرافق للاستعمار، وقبله «روبينسون كروزو» للإنكليزي دانييل دفو. بعد دفو بثلاث مئة عام نجد في رحلات فاوسيت الاستكشافية الحديث ذاته عن العبودية وعن قبائل بدائية آكلة للحوم البشر، وذلك في وقت كانت أوروبا تتحضر للحرب العالمية الأولى التي تخللت الفيلم وكانت المقابل “الحضاري” لحياة أهالي الأمازون.

فاوسيت الذي ذهب وتعامل مع السكان الأصليين، كان مخالفاً لتلك المعتقدات العنصرية، صاحبَ بعض السكان وأقنعهم أنه ليس في ديارهم إلا للبحث عن مدينة مفقودة، يبدو أنهم يعرفون مسبقاً بها، مدينة مليئة بحقول الذرة وبالذهب. فيها أناس لهم حضارتهم الخاصة، نقوشهم وأسلحتهم ومقتنياتهم التي يصنعونها مما توفر في الغابة.

فيلم المغامرات، الواقعي، التاريخي، السيَري، الإنساني «The Lost City of Z» نال تقييمات نقدية عالية، وقد كان عرضه الأول في مهرجان نيويورك السينمائي، هو من إخراج الأميركي جيمس غراي، صاحب «أوديسا الصغيرة» في ١٩٩٥، و «المهاجر» في ٢٠١٣، والذي واظبت أفلامه الأخيرة على المشاركة في مهرجان كان السينمائي.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s