فنون
اكتب تعليقُا

كتاب بيوميات جديدة للمخرج السوڤييتي أندري تاركوڤسكي

يتشارك كبار السينمائيين في أمور عديدة، قد تكون من بين أهمّها رغبتَهم في أن يكونوا كتّاباً، نقول من بين الأهم لما فيها من تأثير على سيرتهم الفيلمية، وعلى التمثيلات الأدبية في أفلامهم، إن كان في الموضوع: شخصيّات من بينها كتّاب أو أن الفيلم ذاته يكون مأخوذاً عن رواية، أو من ناحية الشكل: في تقنية الحكي (ڤويس أوڤر) كأنّ أحداً يقرأ للمشاهد من كتاب، أو في الحوارات أو حتى تقنيات أدبية تخص الرواية والزمن فيها. وفي كل ذلك يمكن بسهولة الحديث عن الأميركي وودي ألِن.

بمعزل عن ألِن، الأمثلة في ذلك وفيرة، يمكن أن نلتقط لها أسماء أهم المخرجين في العالم، لكن سنقصر ذكر المخرجين، كي لا نكرّر كثيراً، على أولئك الذين تخطت الرغبة المذكورة أعلاه المجال السينمائي لتصل إلى الورق، ويصير المخرجون، وهم بمعظمهم يكتبون أساساً سيناريوهات أفلامهم، يصيرون كتّاباً فعليين بإصدار مؤلّفات الغاية منها أن تُقرأ وليس، كالسيناريوهات، أن تُنقل إلى الشاشة.

نذكر من بينها سريعاً كتب «هيتشكوك» للفرنسي فرانسوا تروفو، «المصباح السحري: سيرة ذاتية» للسويدي إنغمار بيرغمان، «شيء كسيرة ذاتية» للياباني أكيرا كوروساوا، «سيرتي الذاتية» للبريطاني تشارلي تشابلين، «جان لوك غودار» للفرنسي جان لوك غودار، «النحت في الزمن» للسوڤييتي أندري تاركوڤسكي، وغيرها ما تتراوح بين السيرة الذاتية والكتابات النقدية والمقابلات، واليوميات كما هو الحال في كتاب موضوع هذه المقالة، وهو كتاب متواجد في المكتبات منذ سنين، إنّما صدر حديثاً بإضافات واكتشافات جديدة وعديدة تُنشر لأول مرة، وهو يوميات أندري تاركوڤسكي بعنوان «يوميات: ١٩٧٠-١٩٨٩» وصدر مؤخراً عن دار «فيليب راي» الفرنسية.

عندما بدأ تاركوڤسكي في إبريل عام ١٩٧٠ بكتابة يومياته، والتي استمر بكتابتها للستة عشر عاماً التالية إلى يوم وفاته، كان في الثامن والثلاثين من عمره، متزوّج وينتظر طفله، وقد اشترى مؤخراً بيتاً في الريف، وفكرة فيلمه السيَري «المرآة» تنضج أكثر لديه، وقد أنجز إلى لحظتها فيلمين: «طفل إيڤان» والذي نال الأسد الذهبي في مهرجان ڤينيسيا السينمائي، وفيلمه البديع «أندري روبليڤ»، ما يمكن أن يجعل من هذه اليوميات، والصادرة في أكثر من ٥٠٠ صفحة، إضافة أساسية لفهم مجمل المنجز الفني لتاركوڤسكي والإحاطة الأشمل به، فيما يخص منها أفلامه وفيما يخص حياته الشخصية المأثّرة بأفلامه والمتأثرة بها.

لم يتوقف تاركوڤسكي منذ بدأ بكتابة اليوميات عن تسجيل أفكار وآمال ومخاوف وصعوبات على الصعيدين الشخصي والمهني. وفي الثمانينيات ستصير هذه اليوميات “يوميات المنفى”، إذ سيصوّر فيلمه «نوستالجيا» في إيطاليا، و«التضحية» في السويد، إلى أن يموت مصاباً بالسرطان عن ٥٤ عاماً.

يُعرف تاركوڤسكي بالشاعرية في أفلامه، بالمجازات الأدبية فيها، بالسينماتوغرافيا البديعة: ألواناً وزوايا تصوير ولقطات وأصوات وحركات كاميرا وغيره. وهذه الحساسية والرهافة في سينماه نجدها في الكلمات التي سجّل بها يومياته، ببعدها الفلسفي والتأملي، ما يجعلها، اليوميات، مقارِبة أكثر لأفلامه.

بالإضافة إلى التفاصيل اليومية، كما ذُكر أعلاه، فإن اليوميات تشمل مشاريع أفلام لم ترَ النور، إذ سجّل تاركوڤسكي ملاحظات وأفكار على أن يطوّرها لأفلام لو لم يمت، نقرأ بأن «الإنسان لم يُخلق لأجل السعادة، فهنالك أشياء أكثر أهمية بكثير»، من بينها صناعة الأفلام ومواجهة التضييقات على ذلك، والتي كان يعاني منها في الاتحاد السوڤييتي، كإنسان قبل أن يكون كسينمائي، ما جعله يكمل حياته ومشاريعه السينمائية في المنفي، حيث سيموت. لكنّه لم يعلن نفسه “كمنفيّ” أو “كمنشق” خوفاً على أهله، فيكتب بأن «السنوات هذه ستحمل ملاحقات لأندروشكا في المدرسة، ولأمي وأبي. لا، ليس لدي سوى الصلاة».

يكتب من التفاصيل الصغيرة كـ «ليس في المحال شيء، الزبدة تقلّصت، ٣٠٠ غراماً في الشهر وللشخص»، إلى توصيف متعجّل لشخصيات التقى بها في الخارج كأحد أفضل المخرجين في تاريخ السينما (كما هو تاركوڤسكي)، إنغمار بيرغمان الذي «يخاطب مستمعيه كأنهم أطفال».

أما العبارة الأخيرة من اليوميات فقد كُتبت في ١٥ ديسمبر ١٩٨٦، وقد مات تاركوڤسكي بعدها بثلاثة عشر يوماً، وكانت غامضة وناقصة دون أن نعرف ما الذي قصده وعن أي فيلم كان يحكي: «النيغاتيف مقصوص في عدّة أمكنة، لا نعرف لماذا».

ولد تاركوڤسكي في ٤ إبريل عام ١٩٣٢ في روسيا. بعد «طفل إيڤان» عام ١٩٦٢ صوّر «أندري روبليڤ» عام ١٩٦٦ لكنّه لم يُعرض إلا بعد خمس سنين من إخراجه بعد أخذٍ وردٍّ مع الرقابة السوڤييتية، وأثناء تصويره لهذا الفيلم قابل الممثلة لاريسا إيغوركينا التي ستصبح زوجته. يكمل مشروعه السينمائي بالمزيد من الصعوبات، بإخراج «سولاريس» عام ١٩٧٢ و«المرآة» عام ١٩٧٤ و«المتعقّب» عام ١٩٧٩، و«نوستالجيا» عام ١٩٨٣. أما فيلمه الأخير فهو «تضحية» وقد صُوّر في السويد صيف ١٩٨٥، وأنهاه قبل موته بقليل. أخيراً، بين الفيلم وموته أنجز كتابه «النحت في الزمن»، ليموت في ٢٩ ديسمبر عام ١٩٨٦.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s