فنون
اكتب تعليقُا

عن مهرجانات السينما الفلسطينية في الخارج

يبدو أن السينما الفلسطينية تقترب أكثر نحو النضج، كمرحلة تالية لحالة متقدّمة بدأت مع السنين الأولى من هذا القرن، وهو تقدّم طبيعي وملفت ومستقر يؤمَل أن يُسمى قريباً: نضجاً. أفلام روائية ووثائقية وقصيرة تخرج سنوياً، بعضها يشارك في مهرجانات ومنها ما ينال جوائز، وأسماء جديدة تظهر بأفلام روائية طويلة أولى، تضيف اسم مخرجها إلى لائحة السينمائيين الفلسطينيين الذي يقدّمون للعالم واحدة من الصور الجميلة للثقافة والفنون الفلسطينيين.

لكن الحديث عن النضج السينمائي الفلسطيني، والمتقدّم بشكل ملفت عربياً، لا يقتصر على الصناعة، أو على الأفلام ومخرجيها، رغم الصعوبات العديدة التي تعاني منها هذه الصناعة ولعلّ أبرزها التمويل. هذا الحديث مرتبط كذلك بالكثافة الملحوظة لمهرجانات السينما الفلسطينية، فالتّقدم في صناعة فنّية ما لا بد أن يرافقه احتفاء وتداول لهذه الصناعة، والمراحل المتقدمة للسينما الفلسطينية حفّزت الكثيرين على المبادرة لتنظيم مهرجانات دوريّة لهذه السينما، إذ يضمن المنظمون تقديم أفلام جيّدة لجمهور المدينة التي تُنظَّم فيها المهرجانات، والكثرة الملفتة لمهرجانات السينما الفلسطينية ترتبط بجودة ما يمكن تقديمه للجمهور أكثر مما ترتبط بالموضوع السياسي الذي تحمله هذه الأفلام. وهو ما يُفترض أن يكون حال مهرجانات السينما الفلسطينية في العالم، ومثالي هنا مهرجان «سينما فلسطين – سينيبالستين» في مدينة تولوز الفرنسية في دورته الثالثة والجارية هذه الأيام، وقد لاحظتُ من خلال الحضور ومن خلال الأحاديث مع البعض أنهم هنا لكونهم جمهور سينما، وقد عرف الكثير منهم بالعروض من برامج الصالات في المدينة، الصالات المستقلة حيث الأفلام الفنّية، وليس من برنامج «سينما فلسطين» كحال المتقصّد للموضوع الفلسطيني دون أن تعنيه السينما. هؤلاء أتوا لمشاهدة فيلم وليس لإبداء تضامنهم مع الفلسطينيين.

انتقال الجمهور، بغالبيته، من متضامن مع القضية الفلسطينية إلى جمهور سينما، يأتي ليشاهد سينما جيدة، هو انعكاس لانتقال السينما الفلسطينية نفسها من سينما قضية غير معنية كثيراً، بمعظمها، بالجماليات إلى سينما تنافس عالمياً في المهرجانات وتنال جوائز، أقول عالمياً والفلسطينيون، بكل شتاتهم داخل الوطن وخارجه، قد لا يزيدون عن سكّان عاصمة ما على هذا الكوكب.

الفضل في ذلك يعود أساساً للظرف التاريخي الذي مرّ ويمر به الفلسطينيون، خارج الوطن وداخله، ما جعلهم منذ الصغر يدخلون في عوالم السياسة والتنظيمات، ما فتّح الوعي لدى عدّة أجيال على جوانب ثقافية في هذه العوالم، فكانت السياسة والعمل الحزبي منفذاً إلى عمل ثقافي، كان لها الفضل في أن يكون الفلسطينيون متقدّمون عربياً في السينما كما في الأدب وكافة أشكال الفنون، وكان ذلك ضامناً للآخرين (عرباً وأجانب وفلسطينيين)، أن يقدّموا الجيّد، إن أحسنوا الانتقاء، في مناسبات ثقافية كالمهرجانات السينمائية الفلسطينية.

ومهرجان مدينة تولوز مثال أوّل ذكرته لمعرفتي الشخصية به، وهو بالمناسبة مستقل إذ لا تدعمه أي جهة رسمية عربية بما فيها السفارة الفلسطينية في باريس. أما داعموه فهم بلدية تولوز والمجلس الإقليمي وجامعة تولوز في فرنسا ومؤسسة القطّان في فلسطين.

وكما في تولوز، هنالك مهرجانات للسينما الفلسطينية عديدة وتتفاوت في ثقلها، نذكر منها مهرجانَي باريس ونانت في فرنسا، وفي أميركا هنالك مهرجانات في واشنطن وبوسطن وشيغاكو، وهنالك في هولندا، في مالمو في السويد، في لندن وبريستول، في مدريد، في أستراليا وإيطاليا، وفي غيرها في العالم، والتي يطول ذكرها، وجميعها لأفلام فلسطينية، وجميعها مهرجانات خارج فلسطين.

بالعودة إلى مهرجان تولوز، وهو واحد من المهرجانات السينمائية العديدة في المدينة، من الإيطالية إلى الإسبانية إلى أميركا اللاتينية إلى الهندية إلى، حتى، الإسرائيلية. وذلك مع غياب ملفت في أوروبا والعالم لمهرجانات سينما مصرية أو تونسية أو لبنانية أو أي بلد عربي آخر لم يعش الحالة السياسية التي عاشها الفلسطينيون والتي أتت بهم، بكثافة، إلى الفنون بشتى أشكالها.

وبالحديث عن واحد من مهرجانات السينما الفلسطينية، فـ «سينما فلسطين» في تولوز مكوّن من متطوّعين أتتهم الفكرة قبل سنوات قليلة، وها هي النسخة الثالثة للمهرجان الذي استطاع أن يصنع لنفسه جمهوراً سينمائياً، أقول سينمائياً، وهذا الأهم، لأن الأوجه التي تتكرر في المناسبات التضامنية مع أي مسألة فلسطينية لا تحضر في غالبيتها، فجمهور «سينما فلسطين» في أساسه جمهور سينما، وهذا المراد.

أما الأفلام التي يقدّمها المهرجان هذه الأيام فهي «عيون الحرامية» لنجوى نجار و «عن الحب والسرقة ومشاكل أخرى» لمؤيد عليان و «يا طير الطاير» لهاني أبو أسعد و «المنعطف» لرفقي عساف و «إرث» لهيام عباس و «أمور شخصية» لمها حاج و «بر بحر» لميسلون حمود و «٣٠٠٠ ليلة» لمي مصري، إضافة إلى «باب الشمس» للمصري يسري نصرالله وأفلام أخرى طويلة وقصيرة، وتتفاوت جميعها في جودتها. وقد رافق العروض ضيوف المهرجان وكان من بينهم هيام عباس، ضيفة الشرف، ومها حاج وآخرون، كما عرضت «سينما فلسطين» قبل شهرين من الآن بشراكة مع إحدى السينمات في المدينة فيلم «٣٠٠٠ ليلة» بحضور مخرجته مي مصري.

هذا المهرجان الصغير، بإمكاناته المادية المحدودة وفريق المنظّمين والمتطوّعين، استطاع أن يقدّم لجمهور المدينة المعروفة بكثافة أنشطتها الثقافية أفلاماً كهذه وأسماء كعبّاس ومصري وحاج تحضر وتناقش أفلامَها، وقد قدّم في دورته الماضية ميشيل خليفي وآخرين، هذا المهرجان الحديث هو، كباقي مهرجانات السينما الفلسطينية في العالم، انعكاس للصناعة السينمائية الفلسطينية، انعكاس مخلِص للسينما كما هو مخلص لفلسطين، وهو اليوم، كناقل للسينما الفلسطينية إلى العالم وكباقي المهرجانات، من أفضل وأجمل ما يمكن أن تُقدَّم به فلسطين إلى العالم.

في القدس العربي

الصورة من العرض الأخير في مهرجان «سينما فلسطين» في تولوز.

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s