سينما
اكتب تعليقُا

«لا لا لاند» للأميركي دامين شازيل

★★★★★

لا يصحّ دائماً أن يكون الترحيب الجماهيري الواسع بفيلم ما مؤشراً على رداءته، أو لنقل على تواضعه لما في ذلك من تعارض ظاهر مع ترحيب “نخبة” به هي أكثر معرفة بشؤون السينما. أي لا يكون دائماً “الجماهيري” نقيضاً لـ “النخبوي” سينمائياً، معظم الأمثلة تدعم هذا التناقض. لكن هنالك أمثلة قليلة، فيلمنا هذا من بينها، استطاعت أن تحقق إيرادات عالية، واستطاعت أن تنال كذلك تقييمات نقدية عالية، ونعرف أن “الإيرادات” و”التقييمات” غير متصالحين.

الفيلم، مكتوباً، كان لدى مخرجه الشاب الأميركي دامين شازيل منذ ٢٠١٠، دار فيه على شركات الإنتاج التي رفضته. بعد النجاح الواسع له في فيلمه «ويبلاش» قبل ثلاث سنوات، استطاع أن يجد منتجاً لفيلمه «لا لا لاند» (La La Land)، ليخرج الفيلم ويصير حديث الصحافة في العالم، ويذكّرنا بأحد أفضل أفلام “الميوزيكال” وهو «الغناء في المطر» لجين كيلي وستانلي دونين.

الفيلم كما هو جماهيري، هو نخبوي، ربما لذلك تم رفضه، فهو قصة حب بين عازف بيانو محب للجاز وقليل الحظ، وبين ممثلة مبتدئة وكاتبة مسرحية طموحة. ليس في الفيلم لا عنف ولا جنس، فكان لا بد لهذه الحكاية الرومانسية أن تجد أساساً لها تُبنى عليه، كي لا تكون فيلم رومانتيك درامي أو كوميدي هوليوودي سخيف آخر، ممتلئ بالكليشيهات التي لا تجد عنفاً مفرطاً أو جنساً صريحاً تتكئ عليه وتكون فيلم “آرت” يكسب النقّاد ويخسر الجماهير وبالتالي العائدات المالية.

فكان فيلم “ميوزيكال”، مبني أساساً على الموسيقى والأغاني والرقص، فخرج الفيلم بصيغته الأخيرة، مبهراً، مستحقاً الترشيح الأقوى لنيل ١٤ جائزة أوسكار قريباً يكون أهمها “أفضل فيلم” (قد لا يجد ما ينافسه عليها)، ولينال ٧ جوائز غولدن غلوب، الممهدة للأوسكار، والعديد من الجوائز الأخرى، وذلك بعد عرضه الأول في مهرجان ڤينيسيا السينمائي الأخير، وعرضه هذه الأيام في فرنسا والعالم.

الفيلم إذن موسيقيّ، مليئ بالأغاني والرقص والموسيقى، وجميعها جميلة، إضافات جمالية للفيلم، للحكاية الخفيفة فيه، والفيلم مليئ كذلك بالألوان، موزعة بين الديكورات والملابس، مهرجان من الموسيقى والألوان والرقصات. وأتت الألوان في الإضاءات كذلك، وأتت زوايا التصوير لتبرزها أكثر، حركات الكاميرا كانت مواكبة للرقصات وحركاتها، الفيلم بمجمله كان بديعاً، ولم يكتف بذلك، إذ كان لحضور بطليه ريان غوسلينغ كـ سبستيان وإيما ستون كـ ميا، أثراً واضحاً على النجاحات التي حققها الفيلم، ليس في أدائهما وحضورهما فقط بل كذلك في رقصهما وغنائهما، تحديداً ستون في رقصها وغوسلينغ في عزفه على البيانو.

سبستيان عازف بيانو، ينتقل بين المطاعم ليعزف وينال بعض النقود قبل أن يتم طرده، يلتقي في أكثر من صدفة بميا، تراه يعزف ويُطرد من المطعم، تراه مرة أخرى في حفل على المسبح يعزف مع فرقةٍ أغاني سخيفة لكنه يكسب منها القليل. حلمه هو أن يعزف الجاز فقط، وأن يفتح ناد للجاز خاص به لا تُعزف فيه موسيقى أخرى. أما ميا فهي نادلة في مقهى في واحدة من استديوهات هوليوود، تحاول دائماً التقدم لمسابقات اختيار الممثلين ولا يتم اختيارها، حلمها هو أن تصير كاتبة وممثلة مسرحية. يلتقي الاثنان في أكثر من مناسبة، يتقربان من بعضهما، يدخلان في علاقة حب، تمر العلاقة بانعطافات تخص عمل كل منهما، يضطران للابتعاد عن بعضهما قليلاً، يتقابلان مجدداً، وتتطور الحكاية إلى أن يصل الفيلم إلى نهايته.

في الفيلم كليشيهات، صحيح، لكن ما هو الكليشيه إن لم يكن ما كثر استهلاكه وصار نمطاً؟ الحكاية في الفيلم هي كذلك، متكرّرة جداً في غيره، لكنها هنا جيّدة، نُقلت بشكل جيد. وهل الأساس في هذا الفيلم هو حكايته؟ لا. الفيلم كما قلت مهرجان بصري وغنائي، ألوان وموسيقى ورقص وغناء، كلّها تعمُّه، أما الحكاية فكانت خلفية لكل ذلك، وذلك كلّه تم تقديمه بجودة عالية، بفنية وجمالية ملفتة، فالحكاية الآتية في هذا السياق أزالت عنها تهمة “الكليشيه” لتكون حكاية بسيطة مرّت علينا جميعاً مراراً، إنّما تُقدّم هنا بشكل جيّد، وهذا ما يجعل حكاية ما أن تكون مستهلَكة ومتكررة أو خلاقة وجذابة. فنال الفيلم أخيراً ترحيباً جماهيرياً ونخبوياً في الآن ذاته.

لكن الفيلم يقدّم نفسه، أساساً، كفيلم “ميوزيكال”، فالحكاية فيه أساساً مسألة ثانوية، وهذا خيار سينمائي لا يؤثر بالضرورة على جودة الفيلم إن أجاد في ما يتأسس عليه، أي الجانب البصري والسمعي فيه، ليكون الجانب الحكائي خلفية لا بد منها لما يدور على الشاشة. لذلك، وكي ينال هذا المهرجان البصري حقّه، كان لا بد من أن لا يشوّش مضمون الحكاية على الشكل في الفيلم، وأن تكون الحكاية لذلك سطحية، عادية، سهلة الفهم، مألوفة، أو بكلمة أقسى قليلاً: كليشيه.

مقطوعات الفيلم الموسيقية متوفرة على يوتيوب، وهي جميلة بشكل يجعلنا نستمع إليها كموسيقى، بمعزل عن الفيلم. وللموسيقى حضور “غير موسيقي” كذلك، أي أنّها كانت أساسية في بنية الفيلم، في تقسيم حكايته إلى فصول متداخلة، وهي المراحل التي تمر بها علاقة سبستيان وميا، في كل مرحلة موسيقى خاصة، تشبه الحالة التي يمرّان بها، كحبيبين، وذلك كلّه توضّحه مقطوعة الخاتمة (الإبيلوغ)، وهي دقائق قليلة في نهاية الفيلم، قد تكون أجمل ما فيه، إذ يعود سرد الحكاية باستعادة سريعة (فلاشباك) للماضي، بصرية وسمعية، أي أن الموسيقى التي سمعناها على طول الفيلم، بحالاتها المختلفة، تعود بشكل متواصل في مقطوعة واحدة، مرافقة لاستعاداتِ مَشاهد حضرت في الفيلم، من أوله، تخصهما، إنّما مع تغيير بسيط فيها، تغيير الواقع، في ما حصل آنذاك، وتبديله بالأمنية، بما يمكن أن يكون قد حصل وأدى، أخيراً، إلى نهاية يتمناها الاثنان، كحبيبين.

في القدس العربي

ryan-gosling-la-la-land-poster-055675756

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s