سينما
اكتب تعليقُا

«نيرودا» للتشيلي بابلو لارين

★★★★

قد لا تمرّ سنة دون حديث جديد أو متجدد عن بابلو نيرودا، الشاعر والسياسي الشيوعي التشيلي، قد يكون آخرها اكتشاف قصائد جديدة له كانت مخبأة بين دفاتره ومكتوبة على لوائح الطعام لمطاعم زارها، وقد نُشر عن ذلك قبل شهر تقريباً، لكن الأكثر إثارة هو دائما الحديث عن طريقة اغتياله، والحديث الأخير عن ذلك كان قبل سنة وبضعة أشهر، وهو تسميمه في 1973 من قبل عملاء لنظام الديكتاتور التشيلي بينوشيه.

في تظاهرة “أسبوعَي المخرجين” في مهرجان “كان” الأخير، شارك فيلم للتشيلي بابلو لارين بعنوان «نيرودا» (Neruda) يحكي فيه بأسلوب فنّي يليق بالموضوع، تفصيلاً من حياة الشاعر. لا يُعد الفيلم، المعروض حالياً في الصالات الفرنسية، “بيوبيك” أو فيلماً سيَرياً تقليدياً، فهو أولاً لا يروي سيرة حياة نيرودا، ولا قسطاً كبيراً منها، بل يسلّط الضوء على واحدة من التفصيلات والانعطافات العديدة في حياته، في أواخر أربعينيات القرن الماضي حيث كان عضواً في البرلمان التشيلي. وهو ثانياً يدمج الخيال بالواقع، ما ينفي عنه صفة التوثيقية تماماً، وهو ثالثاً لعب على “درامية” العمل، على بنيته الدرامية، بمعنى أن الفيلم الذي يحمل اسم نيرودا ويروي شيئاً عن حياته، تحديداً ملاحقته من قبل الشرطة، هو فيلم يمكن أن يكون نيرودا البطل/الظل فيه، ويمكن أن يكون الشرطي، غير المعروف، هو بطل الفيلم، أو “الأنتي هيرو”، أي البطل البائس.

ومن ذلك نقول بأن الفيلم يمكن أن يكون كوميدياً وكذلك تراجيدياً، بناء على مَن مِن الشخصيتين يعتبره المُشاهد بطل الفيلم، وذلك يختلف حسب إدراك كل منّا، كمشاهدين، للفيلم: هو فيلم كوميدي إن كان البطل نيرودا (لويز جنيكو)، الذي ينجو آخر الفيلم (فالبطل لا يموت في الكوميديا) وإن عرفنا أنه في حياته الحقيقية، ما بعد المراحل المصوّرة من حياته في الفيلم، سيموت متسمماً، هو بذلك فيلم كوميدي، يسخر فيه الشاعر كثيراً من الشرطي الباحث عنه في كل مكان، المتتبعه كظله والذي يعرف الشاعرَ جيداً “من الخلف”، كما قال نيرودا.

لكنّه يمكن أن يكون فيلماً تراجيدياً، وهذه نظرتنا له، يكون البطل فيه الشرطي المجهول (جاييل جارسيا بيرنال)، المسكين والأحمق، الذي يموت أثناء تتبعه لنيرودا (فالبطل يموت في التراجيديا)، الذي عاش حياة بائسة ويموت ميتة بائسة. هنا، ليس في الفيلم ما هو “مضحك”، ففي الوقت الذي لم يتوقف فيه نيرودا عن السخرية من الشرطي، يُظهر الفيلم الأخيرَ كشخصية حمقاء مثيرة للشفقة أكثر مما هي شريرة وخبيثة، ما لا يتناسب مع شخصية محقّق كلّفته الدولة بتعقّب أحد أهم شعراء عصره وشيوعييه.

ليس ذلك لخلل في الحكاية أو بناء الشخصيات، بل هو ما يتيح للفيلم بأن “يُقرأ” بوجهين: كوميديا وتراجيديا، في الأولى يكون البطل نيرودا وفي الثانية يكون البطل بشكله المضاد، أي “الأنتي هيرو”، هو الشرطي. في الأولى ينجو البطل وفي الثانية يموت، في الأولى النهاية سعيدة وفي الثانية حزينة..

من الأساسي في الحديث عن الفيلم أن نتناول مسألة البطل، أيهما بطل الفيلم، وذلك كما ذكرنا يعتمد على رؤية المُشاهد للحكاية وتصويرها. لكن، كي يصب حديثنا أكثر في “تبرير” أن البطل هو الشرطي المجهول، اسمه أوسكار بيلوشونو بالمناسبة، نقول إنه أولاً الراوي في الفيلم، يروي بصيغة المتكلم، ما يجعله، تقنياً، الشخصية الرئيسية في الفيلم، وإن كان يروي ملاحقته لشخصية أخرى، لكن ما يظهر من تلك الشخصية، وهي هنا نيرودا، يكون غالباً من نظرة ذاتية تخص الراوي، تخص الشرطي/المحقق، وتقنية “الفويس أوفر” هذه، إذ نسمع صوته يروي ويشرح ما يحدث على الشاشة، تضيف إلى الفيلم البديع نَفساً أدبياً يجعل للكلمة فيها، وليس الصوة، دوراً أساسياً في نقل ما يحدث للمُشاهد.

وحتى في ملصقات الفيلم المتعدّدة، فإما نرى فيها المحقّق في المقدمة ونيرودا في الخلف وإما لا نرى غير المحقق. هذا، إضافة إلى أن الفيلم يروي تتبع المحقق لنيرودا أكثر مما يروي هرب الأخير من الأول، يمكن أن يجعل الفيلم ببطل رئيسي هو المحقق، وإن كان خائباً دائماً، وببطل ثانوي هو نيرودا، وإن كان “المنتصر” في النهاية، وإن كذلك حمل الفيلمُ اسمه. هل كان للفيلم أصلاً أن يحمل اسم المحقق، بيلوشونو، مثلاً!

ما يجعل الحديث عن الشخصية الأساسية للفيلم أكثر إلحاحاً هو تكرار المحقق لنفسه بأنه لن يكون “شخصية ثانوية” في الحديث عن هذه الملاحقة، وهو ما قالته له زوجة نيرودا، بأن الأخير سيقى دائماً الشخصية الأساسية في هذه الملاحقة وأنه، المحقق، سيبقى الثانوية. يكرر المحقق ذلك مراراً، مصرّاً، بحمق أحياناً، أن يكون الشخصية الأساسية، وهذا، برأينا، ما جعل المخرج التشيلي يقدّم الفيلم من وجهة نظر المحقق، ليس النظام السياسي الذي يمثّله، بل المحقّق ذاته، كشخصية، بسلوكها الأبله. فأسهل أن نتعاطف مع أحمق بائس يمثّل نظاماً ديكتاتورياً من أن نتعاطف مع بطل ساخر مشهور تحبّه النساء ويطغى على الجميع أينما حل، كنيرودا، وإن كان مناضلاً شيوعياً أصيلاً وشاعراً جميلاً. هذه مساحة في تصوير الشخصيات تبرع فيها السينما، وفيلمنا هذا مثال على ذلك.

للمخرج التشيلي فيلم آخر سيخرج قريباً إلى الصالات هو «جاكي» وهو كذلك فيلم سيَري عن جاكي كندي، زوجة الرئيسي الأميركي الأسبق، وله فيلم «النادي» الذي نال السنة الماضية جائزة لجنة التحكيم في مهرجان برلين السينمائي، وفيلم «نو» في 2012. أما «نيرودا» فقد شارك، إضافة إلى “كان”، في مهرجانَي “تورونتو” و “سان سيباستيان”.

في القدس العربي

92384230574344neu

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s