سينما
اكتب تعليقُا

«أنا، دانييل بلايك» للبريطاني كين لوتش

★★★★★

“ما حاولت دائماً القيام به هو القبض على حقيقة اللحظة الراهنة”، وهو ما قام به المخرج البريطاني كين لوتش في فيلمه الأخير «أنا، دانييل بلايك». بهذه العبارة بدأ الفيلم الوثائقي التفاعلي المعروض حالياً على موقع قناة ARTE الثقافية، ليلحقه بأيام فيلم وثائقي ممتاز على القناة ذاتها عن لوتش، حياته وأفلامه، بعنوان «كين لوتش، مخرجٌ غاضب». والوثائقي يمتد على مستويين، الأول هو السيرة الفيلمية والشخصية للوتش، والثاني مرافقٌ لتصوير فيلمه الأخير الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان «كان» في أيار من هذا العام.

وعن الغضب، يقول لوتش في مقابلة صحافية نُشرت مؤخراً بأنّك “إن لم تكن غاضباً، فأي نوع من الأشخاص أنت؟” وفي الوثائقي ذاته يقول لوتش متحدثاً عن فيلمه بأن هنالك العديد من الأمور التي تجعلك غاضباً وحزيناً ومحبطاً… وإن أمكنك المساهمة في قول شيء ما حيال ذلك، مجدداً، فلمَ قد لا تفعل!”

لا يشير ذلك “الغضب” إلى فيلم لوتش الأخير فحسب (هو فيلمه التاسع عشر)، بل إلى باقي أفلامه الاجتماعية التي أتى آخرها قابضاً، فعلاً، على حقيقة اللحظة الراهنة، موثّقاً مرحلة حديثة من الليبرالية الاجتماعية وسياسة التقشّف في أوروبا، مثاله هنا ودائماً هي بريطانيا، وموثّقاً الظلم الذي تمارسه الدولة ونظامها “الخدماتي” على فقرائها، فيذكّرنا الفيلم بأفلام سابقة للوتش، قد يكون أقربها هو «ليديبيرد، ليديبيرد».

يُعتبر لوتش من السينمائيين الكبار في عالمنا اليوم، وهو من القلائل الحاصلين على السعفة الذهبية لمرتين، مثله الأخوان داردين من بلجيكا وميكائيل هانيكه من النمسا وفرانسيس فورد كوبولا من أميركا.

الغضب لدى لوتش هو استجابة لحالة الظلم الذي يعيشه عالمنا، اجتماعياً كما سياسياً، فلطالما اتُهّم من قبل الإعلام البريطاني بأنّه معاد لدولته في أفلامه المساندة لنضال الإيرلنديين، فكانت حسب الإعلام ذاته، دعاية لـ “الجيش الجمهوري الإيرلندي”، خاصة حين نال السعفة الذهبية الأولى قبل عشر سنوات عن فيلم «الرياح التي تهز الشعير» والذي تناول حرب الاستقلال الإيرلندية في أوائل العشرينيات، ودائماً مع شريكه كاتب السيناريو بول لافرتي. وخارج بريطانيا، للوتش موقف قوي مساند للحقوق الفلسطينية من خلال دعوته الدائمة لدعم حملات المقاطعة لإسرائيل، ولتقريعه البي بي سي لتغطيتها الأخيرة للحرب على غزة. فهو موقف غاضب ضد الظلم داخل بريطانيا وخارجها، وعلى عدة مستويات.

لكن بالحديث عن المستوى الاجتماعي، وبالحديث عن اللحظة التي يقبض عليها لوتش، فالفيلم نسخة حديثة للكافكاويّة، بالعودة إلى رواية «المحاكمة» للكاتب التشيكي فرانز كافكا، والتي أسست للأجواء الكافكاوية أدبياً وسينمائياً، حيث يكون هنالك مدخل لأزمات متتالية دون مخرج منطقي ومعقول لها، كالمتاهات، وذلك ضمن عالم بيورقراطي مكتبيّ تابع للدولة. كان فيلم لوتش محرّضاً على بيورقراطية الدولة اليوم، القاعبة على فقرائها. فبطل الفلم، دانييل، يدخل في متاهة “مكتب العمل” دون مخرج، ليكون المخرج أخيراً، كما كان في الرواية، محبطاً وحزيناً ومثيراً للغضب، بكلمات لوتش.

دانييل (الكوميدي ديف جونز)، ٥٩ عاماً، نجّار، أرمل، يعيش في نيوكاسل، يُصاب بنوبة قلبية، يمنعه طبيبه من مواصلة عمله، يتّصل بـ “مكتب العمل”، يعلق لأكثر من مرة، لساعة ونصف، على الهاتف منتظراً أن يرد عليه أحدهم، يذهب إلى المكتب ذاته لجد أن عليه أن يقدّم طلب المساعدات عبر الإنترنت، وهو لم يمسك الفأرة مرّة في حياته، صعوبات المجتمع الحديث تواجهه من كل جانب، يتعرّف هناك على كاتي (هايلي سكوايرز) التي اضطرت للانتقال حديثاً وحيدة مع طفليها، فقيرة وتعاني مثله من بيورقراطية الدولة وظلمها الاجتماعي. يساعدها في مشاكلها، في بيتها وحياتها، وبالكاد يجد حلولاً لمشاكله هو، يضطر لبيع معظم أثاثه، محاولاً أخيراً أن يخوض معركة قانونية لنيل حقوقه.

المتاهة التي يُدخله فيها “مكتب العمل” تبدأ من كيفية تقديم طلب المساعدات، التليفون والإنترنت، مارة بالتعامل الفظ للموظفين، وإجبارهم له على حضور دروس لإنشاء السي-ڤي وللتقديم لوظائف غير عابئين بحالته الصحية، مهدّدينه بقطع المساعدات البسيطة التي تصله.

كان المشهد الأوّل من الفيلم بشاشة سوداء، نسمع فيه المحادثة بين دانييل وبين موظّفة طبيّة، يسألها إن كانت ممرضة أو طبيبة فتجيب بأنّها موظّفة. تطرح عليه أسئلة لتعبئة الاستمارة، كإن كان بإمكانه المشي لخمسين متراً أو إن كان يستطيع رفع يده ليضع شيئاً في جيبه، وهو يسألها عن علاقة ذلك بنوبته القلبية. من المشهد الأوّل، الأسود والسوداوي، يقدّم لنا لوتش العبثية الكافكاوية في العلاقة بين المواطن ودولته. وفي الكلمات الأخيرة في الفيلم تقرأ كاتي رسالة دانييل يقول فيها بأنّه مواطن، وله حقوق.

مكملاً نقدَه الاجتماعي الذي طرحه في أفلام سابقة كـ «ريف-راف» و«تمطر حجارة» و«اسمي جو»، يصل لوتش في فيلمه المعروض حالياً في الصالات الفرنسية، قمّتَه، دون أن نعرف إن كان سيعمل، وهو الآن في الثمانين من عمره، على فيلم آخر، وقد صرّح منذ سنين قليلة بأنّه قرّر التوقّف عن صناعة الأفلام الروائية، ثمّ تراجع، لحسن حظنا، وأتي لنا بفيلمه الأخير.

إضافة إلى السعفة الذهبية، وهي الجائزة السينمائية الأكثر اعتباراً عالمياً، نال «I, Daniel Blake» جائزة الجمهور في كل من مهرجاني «لوكارنو» و«سان سباستيان» السينمائيين.

في القدس العربي

3495086456895640

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s