سينما
اكتب تعليقُا

«ديڤين» للفرنسية بنيامينا

★★★★

صار من السّهل خلال السنوات الأخيرة تحديد بعض الملامح “الجديدة” للسينما الفرنسية، أهمّها بروز الجانب الاجتماعي فيها. في مهرجان «كان» ما قبل الأخير تم الافتتاح بفيلم اجتماعي تماماً هو «الرأس المرفوعة» لإيمانويل بيركو، ونال السعفة الذهبية فيلم اجتماعي تماماً كذلك هو «ديبان» لجاك أوديار، أما في مهرجان «كان» الأخير، فقد نال السعفة الذهبية فيه الفيلم الاجتماعي جداً «أنا، دانييل بليك» للانكليزي الكبير كين لوتش، وكذلك في الدورة ذاتها شارك فيلم اسمه «ديفين» لمخرجة جديدة، فرنسية من أصول مغربية، اسمها هدى بنيامينا، شارك في تظاهرة «أسبوعَي المخرجين» ونال جائزة الكاميرا الذهبية التي تُمنح لأفضل أوّل فيلم لمخرجه، في وقت لا تنال الأفلام المشاركة في هذه التظاهرة عادة جوائز المهرجان.

الفيلم لا يكتفي بكونه اجتماعياً، بل هو قاسٍ بنقله صورة لمجتمع الضواحي الفرنسية، بشكل أكثر قسوة مما نقله «ديبان» الذي دار كذلك في الضواحي، والقسوة ليست فبركة أو حاجة سينمائية بل هي هنا نقل واقعي لما هو عليه الحال في تلك الضواحي.

دنيا، فتاة تعيش في منطقة عشوائيات على هامش إحدى الضواحي الفرنسية، أي تعيش في هامش الهامش، تمضي الوقت مع صديقتها ميمونة، دنيا عربية وميمونة إفريقية، وكلتاهما مسلمتان. من البداية نشاهد الحياة القاسية في الحي، وفي حياة دنيا تحديداً، وهي تسعى للخروج منها، ففي بيت فقير تعيش مع أمها التي تعمل في ناد ليلي عربي.

تبدأ دنيا، مع صديقتها، بسرقة مأكولات خفيفة من متجر وتبيعها، إلى أن تجد طريقاً إلى امرأة لها سطوتها في الحي، ريبيكا، ولها علاقاتها، وتتاجر بالمخدرات. تتطور علاقة دنيا مع ريبيكا ويتطوّر بذلك سلوكها نحو التطرف، فمن سرقة مأكولات تنتقل إلى سرقة مئات الألوف من اليوروهات من رجل غني تحاول الإيقاع به في ناد ليلي، إلى مأساة ينتهي بها الفيلم.

لا يكتفي الفيلم بتسليط الضوء على الوضع المأساوي لضواحي المدن الفرنسية، فطريقة تعامل الشرطة معها هو جزء من هذه المأساة حسب الفيلم، نحن هنا أمام تهميش الدّولة أولاً، وأمام انحرافات في المجتمع الفقير إلى الدعارة والمتاجرة بالمخدرات ثانياً، وثالثاً أمام مشاركة مباشرة للشرطة والإطفاء في مآسي هذه الأحياء. ففي المشهد الأخير يندلع حريق ويعلق به أحدهم، سيارة الإطفاء الواقفة في الحي ترفض الاقتراب لإخماد الحريق، رغم توسّلات أهالي الحي، بحجّة أن عليها انتظار سيارة الشرطة. ينفجر المكان ومن كان عالقاً يموت حرقاً وسيارة الإطفاء واقفة مكانها، تصل بعدها الشرطة إنّما كشرطة مكافحة الشغب، يثور شباب الحي ويبدأ الاشتباك مع الشرطة. هذا كان دور الشرطة في الفيلم وهو نقل واقعي تماماً لما تعيشه هذه الأحياء في فرنسا.

الفيلم الذي انتهى بالانفجار، انفجار الحريق كمان انفجار الشباب، بدأ بتلاوة للقرآن في جامع الحي، وكان الجامع هنا، وإمامُه وهو أب ميمونة، الطرف الأضعف في كل ما يحصل وما يمكن أن تمثّله شخصيات الفيلم، فلا تطرّف إسلامي هنا، ولا شباب مهاجرون أو أبناء مهاجرين يلتجؤون إلى الدين بعدما تخلت عنهم الدولة. كانت المسألة اجتماعية تماماً، يُختصر بالفقر والتهميش.

ما يمكن أن يكون عامل جذب في الفيلم هو أنّه لم يطرح المسألة الاجتماعية بشكل مباشر، بل كانت من خلال الصداقة الحميمة بين دنيا وميمونة، ولاء واحدتهما للأخرى وعدم انفصالهما عن بعضهما، والفيلم يصوّر هذه العلاقة ضمن سياق الحياة التي تعيشها الفتاتان.

استوحت بنيامينا أحداث فيلمها الأوّل من احتجاجات الضّواحي الفرنسية عام 2005، والأوضاع المزرية لهذه الضواحي ماتزال كما هي، وماتزال الأسباب موجودة لاحتجاجات أخرى محتملة، وهي مجتمعات عرية ومسلمة تعاني تهميشاً قد يجعل بعض أفرادها يرى أن اللجوء إلى الأعمال الإرهابية والمتزايدة خلال السنتين الأخيرتين، أكثر “إيذاءً” للدولة من انتفاضات أهالي الضواحي ذات الطابع الاجتماعي، وهذا ما يمكن أن يجعل الفيلم تذكيراً للمُشاهد بأساس المشكلة، أنها ليست دينية، وأن التطرف الديني الذي تشهده هذه الضواحي الآن إنما أساسه الحالة الاجتماعية لهؤلاء.

يذكّر الفيلم «Divines» بالعديد غيره مما تناولت قضايا اجتماعيّة في فرنسا مؤخراً لكن الأكثر شبها بموضوعه قد يكون فيلم آخر نال استحساناً كذلك هو «عصابة من الفتيات» للفرنسية سيلين سياما، والذي شارك في مهرجان كان قبل ثلاثة أعوام. ويبدو أن المزيد من الأفلام الاجتماعية، الجيّدة سينمائياً، ستشارك في المهرجانات وتخرج إلى الصالات طالما أن السينما بشكل من الأشكال هي انعكاس للواقع، وطالما أن الواقع الفرنسي هو كذلك، إن لم يكن أسوأ.

في القدس العربي

938753486730956870549870

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s