سينما
اكتب تعليقُا

“نوكتوراما” للفرنسي بيرتراند بونيلو

★★

أي فيلم جديد للمخرج الفرنسي بيرتراند بونيلو سيجلب معه، قبل مشاهدته، احتمالات لا أن يحوي مَشاهد جداليّة، بل أن يكون بموضوع كلّه جدالياً، إضافة إلى الكيفية التي طُرح بها الموضوع، إلى درجة قد يجدها البعض استفزازية وقد يجدها الآخر تحريضيّة جاذبة كأسلوب سينمائي.

لكن موضوعه هذه المرّة ابتعد عن الجنس تماماً، بخلاف أفلام سابقة له كـ “The Pornographer” و “House of Tolerance” وقد تناول الفيلمان الدّعارة، كلٌّ من ناحيته، بل تناول موضوعاً هو الأكثر جدالية في فرنسا هذه الأيام، وهو الإرهاب.

يبدأ الفيلم بلقطة جوّية لمركز مدينة باريس صباحاً، تماماً كالصّور السياحيّة لها، والمدينة ليست ذاتها من السّماء كما هي من الأرض، ففي الوقت ذاته، صباحاً، تبدأ مجموعة من الشباب، من أصول عرقية متنوّعة، بالتّحضير لعمليّة إرهابيّة. والنقطة الأولى التي قد تثير رفضاً لدى بعض الجمهور الفرنسي (اليميني) هنا هو تصوير عملاً إرهابياً دون أي ربط له بالإسلام أو بإسلاميين، أو حتى بعرب دون غيرهم، بخلاف ما يروّج له الإعلام في فرنسا. أمّا النقطة الثانية فستكون طريقة تعامل القوّات الخاصة من الشرطة مع الموضوع في نهاية الفيلم.

يبدأ الفيلم بمدّة تمتد لنصف ساعة يكاد لا يتخلّلها غير كلمات قليلة، نشاهد فيها شباب يتنقّلون في الشوارع وبين محطات المترو، يتجاورون دون أن نعرف علاقات بعضهم ببعض، أو ما يحضّرون له، يتواعدون في أكثر من مكان، لا نشاهد غير حركاتهم المتسارعة، كأنّهم يتأخّرون عن أمر هام، بعضهم يلتقي، دون أن نعرف أي خلفية للقاءاتهم، بعض اللقطات التي تبدو غريبة وملفتة تبدأ بالظّهور، كأن تحجز فتاة بملابس عادية غرفة في فندق غال في مركز المدينة، ثم نراها تغسل تمثالاً في الساحة، يمرّ الوقت في الفيلم وفي نهار الشّباب المتسارعين إلى ما سيفعلونه ويبدأ الكلام بالظّهور في حوارات قصيرة ومختصرة، ويزول الغموض. برويّة سنفهم أنّهم جميعاً يعرفون بعضهم بعضاً بخلاف ما بانوا عليه في النصف ساعة الأولى، وأنّهم يحضّرون لعمليّات تفجير في المدينة وأنّ المسألة أخطر مما أمكن توقّعه.

بعد التفجيرات يتوجّه الجميع إلى مركز تجاري حيث يعمل شريك لهم كموظّف أمن، اختبأوا في المركز الذي تم تفريغه من زوّاره بسبب الانفجارات، وأمضوا الليلة هناك. شباب بعضهم من فئات اجتماعيّة فقيرة وآخرون من فئات غنية ولها علاقات بالسلطة، من أعراق متعددة، خططوا ونفذوا تفجيرات روّعت المدينة، كان أحدها في مبنى وزاري وآخر في برج عالٍ، شباب عاديين ليس هنالك أي تلميح لأي تطرف اجتماعي أو ديني لأحدهم، وهم كذلك ليسوا محترفين كما بدا، إنّما لخلل في الإجراءات الأمنية في أماكن التفجير تمكّنوا مما فعلوه. هؤلاء الشباب نجدهم في مكان واحد مختلين مع أغلى الماركات، أمضوا ليلة يرتدون ما يريدونه، يأكلون ما يريدونه، يستهلكون ما يستطيعونه ريثما تنتهي الليلة ويخرجون من مخبئهم.

كي لا نربط الفيلم بشكل مباشر بالأحداث التي شهدتها فرنسا خلال السنتين الأخيرتين، نذكر بأن سيناريو الفيلم كان قد كُتب قبل أحداث شارلي إبدو، وكان في طور التّصوير أثناء أحداث نوفمبر الأخيرة في فرنسا، فلا يأتي الفيلم استجابة آنيّة لأحداث إرهابية، بل طرحاً أكثر عمقاً لحال المجتمع في فرنسا، موسّعاً زاوية الطّرح ومنزاحاً عن تناول الإعلام للمسألة كعمل حصري بالإسلام.

وكذلك، ما يميّز الفيلم أكثر مما هو تناول أعمق للإرهاب مما يتيحه الإعلام، هو طرحه ضمن أسلوب فنّي في السّرد، سرد المَشاهد وإعادة بعضها ضمن سياقات مختلفة وزوايا تصوير ووجهات نظر مختلفة، تمرير صوتاً هنا أو حادثة هناك بشكل ثانوي ثمّ إرجاع المَشاهد إليها كتفصيل أساسي يستكمله المشهد وينتقل منه إلى غيره. لم يكن الفيلم الذي يتناول عمليّة إرهابيّة فيلماً تجارياً كما يمكن أن يرجّح موضوعُه، بل كان فيلماً فنّياً وهو الأقرب لم يمكن أن يطرحه مخرجُه بونيلو.

في المركز التجاري، حيث صالات عرض الملابس والمجوهرات والعطور وكل ما غلا ثمنه، كل ما يمكن أن يرمز، بالعلامات التجارية، للماديّة والاستهلاكيّة الذي يعيشه عالمنا وتحديداً منه عواصمه الكبيرة كباريس، هناك انجذب الشباب إلى ما كان يتوهّج أمام أعينهم، فارتدوا مما رأوه وأكلوا وشغّلوا الموسيقى بصوت عالٍ واستحم بعضهم ونام، إلى أن ثبّتت التلفزيونات كاميراتها على المركز التجاري، وبدأت الأخبار تحكي عن اقتحامات له، فتدخل القوات الخاصّة وتقتل الجميع بإعدامات ميدانية، دون مقاومة ودون تهديد من أحد، قُتل بعضهم وهو واقف رافع يديه، وأخرى وهي تهرب، وحبيبان وهما مختبئان، واحد فقط قُتل وهو يطلق من مسدّده، كان الأخير وتوقّف عن الإطلاق وهو يصرخ للشرطة بأن أنقذوني، فقتلوه.

استطاع بيرتراند بونيلو أن يضع لنفسه أسلوباً خاصاً في تناول المواضيع، مهما كانت، استطاع أن يجعل مُشاهد أفلامه يتوقّع جدالاً ما يمكن أن يثيره فيلم جديد لبونيلو الذي أتى بفيلمه هذا بعد آخر ممتاز هو “Saint Laurent”. في فيلمه المعروض حالياً في الصالات “Nocturama” جدال وتحريض إنّما اجتماعي وسياسي وخال من الإسلاموفوبيا.

في القدس العربي

943560436745890769

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s