سينما
اكتب تعليقُا

«الديكالوغ» للبولوني كريستوف كسلوفسكي (١٩٨٩)

★★★★★

قد يشمل أي حديث عن السينما إضافةً إلى الأوجه الحكائيّة والبصريّة وغيرها ضمن المجال الفنّي في الفيلم، قد يشمل ما هو ضمن المجال التّقني، وهذا الأخير وثيق الصلة بالسينما كالفنّي.

ارتبطت مراحل تطوّر السينما بالتّقنيّة أكثر من غيرها، أي بأدوات تنفيذ الفيلم وليس بأساليبه الحكائية والبصريّة، بدايةً بالصّوت والألوان مروراً بالشاشة العريضة والكاميرا الثابتة وانتهاءاً بـ 3D، و IMAX حيث جودة الصورة في أقصاها.

لكن بالنّسبة للسّينفيليّين من جيلنا، أو محبّي السينما، الأهم وما نلسمه بشكل مباشر هو تحديداً التّرميم، وهذا بمثابة إصدار جديد للفيلم. فالنّسخ المرمّمة تكون لأفلام مؤثّرة في تاريخ السينما، نبحث عنها ونقتنيها ونعيد مشاهدتها ونقرأ عنها. والأكثر إثارة لمحبي السينما لن يكون الاقتصار على توفّر النسخ المرمّمة على DVD’s ولكن بعرضها في صالات السينما كأي فيلم جديد. فهي إتاحة لمشاهدة أو إعادة مشاهدة فيلم يتوجّب مشاهدته لمكانته التي صنعها منذ ثلاثين عاماً أو أربعين أو خمسين أو أكثر، في تاريخ السينما.

احتفاءً بخروج النسخة المرمّمة في فرنسا، يتم عرضها في صالات السينما وتلقى جمهوراً جيّداً إضافة إلى التغطية الصحافية. قبل أشهر قليلة عُرضت نسخة مرمّمة من فيلم «RAN» للياباني أكيرا كوروساوا (١٩٨٥)، وفي هذه الأيام يُعرض الفيلم الطويل «The Decalogue» للبولوني كريستوف كسلوفسكي (١٩٨٩) بنسخة مرمّمة، والفيلم مكوّن من عشرة أفلام مترابطة مدّة كل منها ساعة، تُشاهد على خمسة عروض حيث يشمل العرض الواحد فيلميْن منها. وترميم فيلم كسلوفسكي وعرضه في الصالات هو مناسبة هذه الأسطر عن الترميم والفيلم.

“The Decalogue” حلَقَة، وليس سلسلة، من عشرة أفلام، أُنجزت للتليفزيون، يسمّيها المخرج البولوني حلقة كونها تكتمل ببعضها بعضاً، كما يمكن اعتبارها فيلماً واحداً بموضوعات عدّة لكل منها فصله. ديكالوغ تعني الوصايا العشر في الانجيل، وكل فيلم من العشرة يتناول واحدة من الوصايا.

زمن الأفلام متقارب، يمكن تلمّس فصول مختلفة من السّنة، في حيّ في بولونيا ثمانينيات القرن الماضي، والشخصيات الرئيسيّة تسكن التجمّع السكني ذاته ويتكرّر ظهور بعضها في الأفلام.

لكلّ فيلم شخصياته الرئيسية، بل وممثليه وفريق عمل مختلف عن الآخر، لكن بعض الشخصيات الرئيسية في واحد من الأفلام العشرة تظهر كثانويّة، بشكل عَرَضي، في بعض الأخرى، كإيحاء بأن الأحداث في الأفلام العشرة تجري ضمن لا مكان وزمان واحديْن فحسب، بل بمجتمع واحد حيث لكل فرد منه قصّته الخاصة المتجاورة لقصص الآخرين.

ولم يقدّم كسلوفسكي القصص كمواعظ وقد جرّدها من مضمونها الديني وأنسنها، فقدّم حكايات متفرّقة فيها مآسٍ يمكن إرجاعها لسلوك إحدى الشخصيات التي، حسب المعنى الديني، خالفت تلك الوصايا الإلهيّة، ناقلاً المضامين الدينيّة إلى مدنيّة.

ومواضيع الأفلام، أو الوصايا، هي: “لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي”، “لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا”، “اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ”، “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ”، “لاَ تَقْتُلْ”، “لاَ تَزْنِ”، “لاَ تَسْرِقْ”، “لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ”، “لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ”، “لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ”. وهذه حسب الفيلم، فقد تمّ هنا تجاوز الوصية الثانية لشبهها بالأولى، تخصّ توحيد الله، وتم تقسيم العاشرة إلى اثنتيْن.

في الفيلم رموز متكرّرة، أهمّها الرجل المارّ المراقب الصامت، وهو شخصية تمر بجانب الأحداث ولا تفعل غير النّظر إلى شخصياتها في لحظة انعطاف في حياة هذه الشخصيات، كأنّها الضّمير الذي ينظر بتأنيب إلى سلوك الشخصية المنتهِكة لواحدة من الوصايا. هنالك الحليب والزّجاج والنّوافذ، وكثيراً ما تكون الكاميرا خلف زجاج، كأنّها عينٌ ثالثة غير الشخصية وغير القدر.

«الديكالوغ» الذي لم يأت أبداً على ذكر الوصايا، ولا بكلمة منها، كل فيلم منه عمل فنّي بديع، وبذلك يتضاعف إلى عشرة بمشاهدتها كلّها، أمّا تصويرها كلّها في سنتيْن فكان إنجازاً آخر لمخرجه.

في القدس العربي

3985340973509

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s