سينما
اكتب تعليقُا

«قمر مجنون». للفرنسي غريغوار لبرانس-رانغيه

★★★★★

هنالك العديد من الأفلام التي نقلت نصوصاً قديمة إلى بيئة حديثة، محافظة على شعريّة النّص أو مسرحيّته، والمثال الأبرز هنا سيكون دائما الإنكليزي ويليم شيكسبير، حيث نسمع حوارات بلغة أدبيّة تجري بين أناس مدنيين حديثين بملابس وأمكنة حديثة. في هذه الحالة يمكن تقبّل نقل النّص القديم إلى بيئة حديثة لما في النّص أساساً من قيمة أدبية (وسوسيولوجيّة وابستمولوجيّة وفلسفيّة وغيرها) بمعزل عن الفيلم. ويمكن تقبّل أننّا أمام واحد من التصويرات السينمائية لنص أدبي، أو اجتهاد في مقاربة النّص يكون ضمن العالم الحديث.

أمّا فيلم موضوع هذه الأسطر، المشارك في مهرجان كان الأخير، ففيه تكلّفٌ في اللّغة امتدّ حتى عنوانه، فهو بالفرنسيّة «La Forêt de Quinconces» أي غابة الكينكونس، وهذه الأخيرة هي المربّع المشكّل من خمس نقاط متناظرة (بعض المراجعات الصحافية الفرنسية للفيلم اضطرّت لشرح الكلمة!)، وهذه كلمة ثقيلة لتكون في عنوان فيلم، أمّا اسمه الانكليزي فكان أشدّ بساطة ووضوحاً وتحرّراً من التكلّف اللغوي في الفيلم: «قمرٌ مجنون».

أمّا تكلّف اللغة فيه فكان من أوّل الفيلم حتى آخره، جاء أولاً في حوارات وثانياً في كلام الرّاوي، وفي كليْهما كان شعرياً مقفّى، لا نحكي عن لغة شاعريّة أو أدبية حيث المجازات والتشبيهات على أنواعها وحسب، بل أساساً عن حوارات مسجّعة، ما جعلها في بيئتها، وهي مدينة باريس في زمننا هذا، متكلّفة جداً وفي غير مكانها، مُقحَمة أو مركَّبة من عالم آخر، وفي حالات كثيرة مملة ومضحكة.

يتشاجر مع حبيبته في غابة فيحكون شعراً مقفّى، يلتقي بأخرى فنسمع منهما اللغة ذاتها. يتشاجر مع هذه ثم مع تلك وكلّه بلغة مُقحَمة، وفوق ذلك كان الأداء مسرحياً جداً، كأنَّ السينما كفنّ منفصل كان ثالث اهتمامات المخرج، فللسينما لغتها غير تلك التي في القصائد، ولها أساساً أداء ممثليها غير تلك التي في المسرحيات. هنا كانت الأيد تلوح كثيراً والمشاعر ظاهرة بشكل مفرط في ملامح الوجه، كما هي في الحوارات، وهذا يذكّرنا بأحد أبرز الأسماء السينمائية في فرنسا والعالم روبير بريسّون (1901-1999) الذي تقصّد أن يكون الأداء في السينما، ملامح وجه ولغة جسد، النّقيضَ من تلك التي في المسرح.

لكن بمعزل عن اللغة والأداء في الفيلم، فقد كان فيه استخدام ملفت للموسيقى والرّقص، ولعلّ مخرجه أراد أن يحوي الفيلم من عناصر الأدب والمسرح والرّقص والموسيقى ولم يتوفّق إلا في الأخيرة، وقليلاً في الرّقص. وهذا لطبيعة الموسيقى وليس لأمر آخر، قليل من الحظ يكفي لتكون الموسيقى مناسبة بل وعلامة مميّزة من علامات الفيلم، خاصة الموسيقى الكلاسيكيّة، وقد استخدم المخرج هنا مقطعاً من السيمفونية الخامسة للروسي تشايكوفسكي حين كان البطل يلحق بامرأة خارجان من المترو إلى شوارع معتمة إلا من الإنارة الصّفراء، ثمّ تدخل الامرأة إلى صالة رقص لتتدرّب مع رفاقها وهناك تندمج موسيقى إيقاعيّة بطبول يرقصون على ضرباتها، بموسيقى تشايكوفسكي. واستخدام الموسيقى الكلاسيكيّة في أفلام تصوّر بيئات مختلفة تماماً عن زمن الموسيقى المسموعة، لطالما يعلق في الذّهن، قد تكون أجملها استخدام ستانلي كوبريك مقطوعة «الدانوب الأزرق» للنمساوي ستروس في فيلم الخيال العلمي «أوديسيا الفضاء»، أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما حسب تقييم مجلّة «سايت & ساوند» البريطانيّة العريقة.

من الجماليّات الأخرى في الفيلم كان التّصوير، اللقطات متى تقترب ومتى تبتعد، لكن أساساً كان اللعب على الإطار ذاته، من إطارات عريضة تملأ الشاشة إلى أخرى حيث يتقلّص الإطاران الجانبيان لنصير أمام شاشة مربّعة في مركزها إحدى الشّخصيات تحكي ما يتوجّب الانتباه إليه، لكن دون تشويش القوافي في حكيها. وهذه تقنية استخدمها اكزافييه دولان في فيلمه “أمّي” الذي نال عليه جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان قبل سنتين.

للفيلم الذي أخرجه غريغوار لبرانس-رانغيه وكتب نصّه وأدى دور البطولة فيه، حكاية جميلة، أمكن أن تكون بحوارات أكثر حقيقية وإقناعاً فلا تضيع الجماليّات الأخرى، غير اللغة والأداء، في الفيلم بجريرتهما. بول، وهو شاعر، يتشاجر مع حبيبته أوندين (أماندين تروفي) في غابة، تقول له بأنّه لا يسمعها أبداً وأنّه أناني، تتركه، يبكي وينام في الشّارع، يتعهّد بأن لا يحبّ بعدها، ولإثبات ذلك لنفسه يلتقي بامرأة في المترو اسمها كامييْ (بولين كوبين) ويحاول اللحاق بها ليقيم علاقة عابرة معها دون أن يقع في حبّها، لكن الأخيرة تأسره، وحبيبته الأولى تعود إليه. يجد نفسه بين الاثنتيْن، تائهاً بين ما يحب وما يكره في كل منهما، تلتقيان دون أن تعرفا بعضيْهما، وتتطور الحكاية بأسلوب درامي مسرحي، يمكن القول تراجيدي حيث يلقى البطل حتفه، بطريقة ما، لعيبٍ فيه. الحكاية الجميلة هذه كانت تستحق تنفيذاً سينمائياً أقل تشويشاً، أي أكثر سينمائياً وأقل أدبياً ومسرحياً.

في القدس العربي

 

9386405678450865

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s