سينما
اكتب تعليقُا

فيلم الأنيميشن «السّلحفاة الحمراء». الواقعيّ والسّحري على جزيرة

★★

ما يمكن أن يميّز أفلام الأنيميشن، أو الرّسوم المتحرّكة، هو السّحر فيها، أو ما يمكن أن يكون سريالياً أو غير خاضع لمعايير الواقع والعقل في الأفلام الأخرى حيث المكان والممثلون حقيقيّون فتتنافى فيها الحكاية السّحريّة، غير المعقولة، مع المكان والشّخصيات الحقيقيين، وهم أناس مثلنا. وهذا التّنافي يمكن تفاديه بتقديم الفيلم لنفسه كعمل خيالي أو سريالي، أو، إن كان واقعياً، تُؤَّل المشاهد غير الواقعيّة أو غير القابلة لأن تكون في عالمنا، بتفسيرات تتناسب والسّياق الواقعي للحكاية، فتُجر غالباً إلى الرّمزيّة. عدا عن ذلك، هنالك أفلام تتراوح بين الرعب الميتافيزيقي والميثولوجيا، وهذه تقدّم نفسها أساساً كعالم غير واقعي.

في الأنيميشن، أو الرّسوم المتحرّكة، الحالة مغايرة، فلا يتقدّم المُشاهد إلى الفيلم متوقّعاً عالماً واقعياً، للطبيعة التكوينيّة لهذه الأفلام أولاً، والمبنيّة أساساً على الخيال، وللطبيعة التقنيّة كونها تُرسم وتُخلق من لا شيء، واليوم، للطبيعة التراكميّة لها بعد الكم الهائل من أفلام الأنيميشن التي عُرضت في الصالات وشاركت في المهرجانات ونالت الجوائز وبنت جمهوراً من الكبار قبل الصّغار.

في «السّلحفاة الحمراء»، هنالك الحكاية الواقعيّة، حيث يتحطّم قارب أحدهم ويجد نفسه وحيداً في جزيرة ويحاول، بطرق واقعيّة، أن يتدبّر أكله وماءه، وخروجه ببناء قارب من القصب. إلى هنا، هي حكاية واقعيّة بشروط حياة واقعيّة، وقد وجد الرّجل نفسه في ظروف كالتي وجد روبينسون كروزو نفسه فيها في رواية الإنكليزي دانييل دوفو الشهيرة. لكن سرعان ما يذكّرنا الفيلم بأنّنا أمام فيلم أنيميشن حيث للسحر مكانة أساسيّة في مضمون الحكاية كما في شكل روايتها.

الفيلم، وكي يزيد من سحره، كان بلا كلام. فقط الصّورة وأصواتها المرافقة وبعض الموسيقى. ما يُدخل المُشاهد دقيقة بعد أخرى في سحر هذا العالم كان الاستيعاب الكامل لما يحدث على الشّاشة بالصّورة وأصواتها فحسب، فكان على الرّسم تأمين الحكاية لمُشاهدها، إيصالها كاملةً بصرياً وسمعياً، دون الإدراك للمعنى الذي تتسبّب به اللّغة، والمعنى يأخذ من التجريد بعض سحره، تماماً كأن نستمع لموسيقى أو لأغنية. فالمعنى المُحتوى في اللغة مشاركٌ أساسي في تكوين الإدراك، إدراك الحكاية في حالتنا هذه، واستثناء اللغة يُبقي عمليّة الإدراك مسؤولية الصّورة أولاً والصّوت ثانياً، وجماليات الصورة والصوت هي السّاحة الأساسيّة التي للسينما، أو ملعبها، فالفيلم صورة وصوت وبعدهما يأتي النّص روايةً وحوارات.

أثناء محاولاته لبناء قارب والخروج به إلى عرض البحر باحثاً عن أرض مأهولة، يتحطّم القارب بضربات مجهولة المصدر، في المحاولة الثالثة نعرف أنّ سلحفاة ضخمة حمراء هي التي تضرب القارب من أسفل، هنا ندرك أنّ السّحر قد بدأ. بعدها في الجزيرة يرى الرّجل من بعيد السّلحفاة تخرج إلى الشّاطئ، يركض تجاهها لينتقم ويقتلها، يفعل ثمّ يندم ويحاول إعادة إحيائها، لاحقاً يراها وقد تحوّلت إلى امرأة، داخل قوقعة السلحفاة، يبتعد لجلب الماء ليُشربها إياه ويعود فيرى القوقعة فارغة والامرأة في البحر. تمر الأيام ويتآلفان، ينجبان طفلاً، يعيشان حياة عاديّة في الجزيرة، حياة واقعيّة ضمن السّياق السّحري وهو حضو الامرأة، الآتي في سياق واقعي وهو حياة الرّجل في الجزيرة.

الرّبع ساعة الأخيرة في الفيلم أساسيّة لإدراك أن هنالك تداخلاً بين السّحر والواقع وأنّ أحدهما سيترك المجال للآخر أخيراً، والنّهاية مكوّن أساسي لأي رسالة أمكن للفيلم أن يحملها، وهي كذلك إكمال لحكاية جميلة يمكن إختصارها بأنّ حياة الرّجل ملأتها الامرأة التي ظهرت له من حيث لا يدري، وبالسّحر الذي يجيء بها والذي تملأ به حياة الرّجل العالق وحيداً في الجزيرة.

تقنياً، يجمع الفيلمُ بين الرّسوم اليابانيّة والأوروبيّة، وهو فرنسي بلجيكي ياباني الإنتاج، فيجمع من ناحية الأسلوب بين رسوم «تان تان» الشهيرة للفنان البلجيكي المعروف بإيرجي، كرسم العين كنقطة سوداء والحدود السّوداء للرّسوم، وبين الأنيميشن الياباني، حيث شاركت في إنتاجه الشركة الأهم في عالم الأنيميشن، «استديو غيبلي» التي شارك في تأسيسها الرّسام والمخرج هاياو ميازاكي، معلّم الأنيميشن وصاحب أفلام كـ «الأميرة مونونوك» و «جاري توتورو» (لوغو الاستديو مأخوذ من الفيلم) و «المخطوفة».

يبدأ الفيلم بلوغو «استديو غيبلي» معطياً إياه هويّة فنّية أقرب إلى اليابانيّة، تلك الخارج إلى السينما من عالم المانكا، وهو الكوميكس الياباني. ومخرج الفيلم هو الهولندي ميكايل دودوك دو ويت القادم كذلك من عالم الرّسم إلى الإخراج، وله أفلام أنيميشن أخرى كـ «أب وابن» و «الرّاهب والسمكة»، وفيها جميعها أسلوب رسم متأثّر بالمدرسة اليابانيّة. شارك «السّلحفاة الحمراء» (The Red Turtle) في مهرجان كان السينمائي الأخير ضمن عروض «نظرة خاصّة» ونال جائزة التّحكيم الخاصّة.

في القدس العربي

0360796-70846590

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s