سينما
اكتب تعليقُا

«مجنوناتٌ فرَحاً» لفيردزي. الجنون كمساحة للفرح والامتلاك والخيال

★★★★

خلال مهرجان كان الفرنسي، يتم التركيز إعلامياً على الأفلام المشاركة في المهرجان، داخل المسابقة الرسمية وخارجها، لكن هنالك مجموعة أخرى من الأفلام تُعرض في فعاليّة مستقلّة وموازية للمهرجان، هي «أسبوعَي المخرجين»، وأفلام هذه لا تقل أهمّية عن تلك المشاركة في المهرجان. خلال الدورة الأخيرة لمهرجان كان شاركت عدّة أفلام بدأت بعدها تدخل مرحلة العروض التجارية، من بينها فيلم «Folles de joie» للمخرج الإيطالي باولو فيردزي.

وإن لم يكن الفيلم بالأهميّة المذكورة أعلاه، إلا أن فيه ما يميّزه، وهي أنّه يحكي عن امرأتيْن، عن واحدة منهما تحديداً اسمها باتريسيا، ليستا مجنونتيْن إنّما تقيمان في مركز لمعالجتهما نفسياً، وفيه نساء أخريات يعانين من اضطراب عقلي، ليستا مجنونتيْن كما يمكن أن يدل مكانهما إنّما كما يشير عنوان الفيلم، أي الجنون فرحاً. وهما ليستا كذلك مقيمتيْن في المركز إلا في الربع ساعة الأولى من الفيلم، حيث تجدان طريقة للهروب ليصير الفيلم أقرب لتصويرٍ للحظات الحرية التي تعيشانها، تمارسان الفرح إلى حد الجنون.

حالة الجنون الفرِحة هذه تسيطر على الفيلم، كون الكاميرا تلحق الامرأتيْن أينما توجّهتا، من المركز بدايةً إلى الطريق والأمكنة التي وصلتاها ومحاولتهما الدائمة للهروب والإفلات من المسؤولين فيه في بحثهم عنهما.

هذ الاضطراب العقلي لدى الهاربتيْن كان أساس الكوميديا في الفيلم، العفويّة في سلوك وحديث الشخصية الرئيسية فيه تحديداً، باتريسيا (الفرنسية الإيطالية فاليريا برونتي تيدسكي)، بخلاف الشخصية المأساوية للأخرى، دوناتيلا، لسبب سنعرفه لاحقاً، يتعلّق بكونها أماً وبعلاقتها بابنها.

باتريسيا، ثرثارة وعفويّة وحيويّة وبرجوازية، وتتصرّف كالملكة في المكان الذي تتواجد فيه، داخل المركز وخارجه. تتخيّل، أو تكذب، كثيراً، وتتصرّف على هذا الأساس. نراها في البداية تمشي محدّثة الجميع ومتحرّشة بهن تمازحهن، من النزيلات إلى الإدارة والأطباء. تصل دوناتيلا إلى المركز، نزيلة جديدة وشابة وجميلة، تتقرّب منها باتريسيا بحشريّتها العاديّة، تدّعي بأنها طبيبة وتحاول فحصها، تبدأ باتريسيا بالاعتناء بها ومرافقتها. لاحقاً في رحلة للعمل في الحقل يتأخّر الباص الذي سيقلّ النزيلات إلى المركز فتمشي باتريسيا وتأخذ معها دوناتيلا وتركضان قليلاً إلى أن تصلا إلى باص عمومي، تركبان وتبدآن رحلة مرح وحرّية في الطريق وفي المدينة المجاورة. هناك، تتشاجران وتتصالحان، تذهب كل منهما لرؤية من كان شريكها قبل دخولهما إلى المركز، زوج باتريسيا في بيته حيث كان يقيم حفلة غداء ومدير دوناتيلا في النادي الليلي الذي يديره وحيث عملت هي كراقصة وأقامت علاقة معه. وكان الرّجلان في الحالتيْن مع نساء أخريات مستفيدين من غياب الامرأتيْن في المركز الصّحي.

ليست فكرة الجنون مرتبطة بالحريّة فحسب هنا، بل كذلك بالامتلاك وبالخيال، وليس الكذب. الحريّة لأنّ باتريسيا تحديداً استطاعت في الرحلة القصيرة الممتدة ليوميْن خارج المركز، أن تفعل ما رغبت مراراً به، بما في ذلك سرقة السيارة من رجل أراد اصطحابهما إلى فندق. وبالامتلاك لأنّ بتريسيا كذلك عاشت على هواها، كذلك داخل المركز وخارجه، وكان كل ما حولها ملكاً لها، كأن تدخلان إلى مطعم في فندق فخم وتتناولان العشاء، وتحكي كلمتيْن مع المدير ثمّ تقوم وتسحب دوناتيلا من يدها وتخرجان راكضتيْن كطفلتيْن. وبالخيال وليس الكذب لأن باتريسيا تعيش فعلاً ما تحكيه، وإن لم يكن صحيحاً، كأن تقول للأخريات أن الفيلا في توسكاني الإيطالية التي تحوّلت لمركز صحّي كانت لعائلتها، دون أن نعرف إن كان ذلك صحيحاً أم لا، لكن سلوك باتريسيا يقوم على صحّة كلامها.

يمكن أن يكون الفيلمُ فيلمَ-طريق، من تلك التي تجري أحداثها على الطّريق حيث يبدأ الفيلم بمكان وينتهي بمكان آخر مصوّراً الطريق بين المكانيْن. هنا ليس الطريق فيزيائياً فحسب بل نفسياً، وليس ممتداً بين نقطتيْن بل دائرياً ينتهي في النقطة ذاتها التي بدأ عندها، فنرى الامرأتيْن أخيراً في المركز بعد رحلة الحرية التي قامتا بها. والطريق النفسي هنا يتعلّق بخروجهما من المركز، بفرحهما وحريّتهما التي عاشتاها ليوميْن، قبل اكتمال الطريق الدائري وعودتهما إلى مكانهما العادي.

في القدس العربي

 

943863405865064857069

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s