فنون
اكتب تعليقُا

كان 69: الدّورة التي أحرجت الصّهاينة. غودار ولوتش وألمودوڤار

يمكن القول أن الدّورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي كانت حادثة مؤلمة بالنسبة للوبي الصهيوني (crif) في فرنسا وجمهوره، أو لكل الصهاينة أينما كانوا، من اللحظة التي أعلن فيها المهرجان عن ملصقه قبل شهريْن، حتى الدقائق الأخيرة منه، قبل أيّام، حين أُعلن عن الفائز بالسّعفة الذهبية.

ولم تحتفِ الدورة الـ 69 للمهرجان بأسماء مخرجين يُعرفون بمناصرتهم للقضية الفلسطينية وحسب، بل يُعرفون بيساريّتهم كذلك، ولهم آراؤهم السياسية والاجتماعيّة التي يعبّرون عنها في أفلامهم كما في تصريحاتهم وحواراتهم. وهم، وهنا تكمن أهمّيتهم، من الأسماء الحيّة الأفضل سينمائياً، والحديث هنا عن الفرنسي جان لوك غودار والبريطاني كين لوتش والإسباني بيدرو ألمودوڤار.

من بين كل المخرجين الكبار الأحياء اليوم، الأكثر تقديراً وإنجازاً سينمائياً هما غودار ولوتش، لكنّهما كذلك الأكثر صراحةً في إعلان تضامنهم مع الفلسطينيين، والمهرجان هذا العام بدأ بغودار وأنهى بلوتش.

لجان لوك غودار مواقف عديدة وممتدة لسنين طويلة أعلن من خلالها تأييده للفلسطينيين في المراحل المختلفة من نضالاتهم، ولطالما اتُهّم بمعاداة السّامية في فرنسا دون أن يمنعه ذلك من القول مثلاً بأنّ ما يفعله الإسرائيليون اليوم بالفلسطينيين هو ما فعله هتلر أمس باليهود. وحضور فلسطين لدى غودار لا يقتصر على المقابلات، فمتى تحدّث ودخل في السّياسة يُتوقّع أن يأتي على ذكرها، بل يمتد إلى الأفلام، من «هنا وهنالك» في 1976 إلى «فيلم اشتراكيّة» في 2010 مروراً بـ «موسيقانا» في 2004 وغيرها من الأفلام حيث تحضر فلسطين إن لم يكن ضمن الموضوع والحوارات، فبكوفيّة تضعها إحدى الممثلات. وقد قام المهرجان هذا العام بتكريم غودار باتّخاذ لقطة من فيلمه «احتقار» ملصقاً له.

والمهرجان الذي بدأ بغودار، انتهى بكين لوتش، صاحب الأفلام الاجتماعيّة والسياسية والتاريخيّة التي يعبّر من خلالها على انحيازاته للعدالة والحرية. ولوتش من بين الأبرز سينمائياً في مناصرة الفلسطينيين، وتحديداً في دعوته المتكرّرة للمقاطعة الثقافية التّامة لإسرائيل وكان من أوائل الأسماء الكبيرة الداعين لذلك، ما سهّل الأمر على آخرين. وقد كان لوتش من أبرز المتظاهرين أمام مبنى البي بي سي تنديداً بتغطيتها للحرب الأخيرة على غزّة، المنحازة لإسرائيل، قائلاً عن المقاومين هناك بأنّهم “مقاتلون مقاومون وليسوا إرهابيين أو مسلّحين”. وقد نال لوتش قبل أيّام سعفته الذّهبيّة الثانية في مسيرته السينمائية، وذلك عن فيلمه «أنا دانييل بليك»، ونادراً ما يحصل ذلك، فيكفي أن ينال أحدهم السّعفة مرّةً ليكون في مصاف المخرجين الكبار. ثم، بعد كان ذهب إلى باريس وحضر افتتاح مهرجان السينما الفلسطينية هناك وجدّد، في اليوم التالي من السّعفة، دعوته لمقاطعة إسرائيل.

لكن المهرجان الذي بدأ بغودار وانتهى بلوتش مرّ به أحد أفضل المخرجين وأكثرهم تأثيراً كذلك، وهو بيدرو ألمودوڤار الذي شارك في المسابقة الرّسميّة بفيلم «خولييتا». قبل سنتيْن، أصدر مجموعة من المشاهير الإسبان من بينهم ألمودوڤار والجميلان بينيلوبي كروز وخافيير باردم (الذي حضر كذلك إلى المهرجان)، رسالة تضامنيّة مع غزّة، وقد ضجّت الصحافة بهذا البيان لثقل الأسماء الإسبانيّة الثلاثة، سينمائياً وعالمياً. وكانت الرسالة نداءً إلى الاتحاد الأوروبي يطالبونه بـ “إدانة القصف من البر والبحر والجو على السّكان الفلسطينيين المدنيين في قطاع غزة… غزّة تعيش رعباً هذه الأيام، يتم محاصرتها والهجوم عليها من كافة الجهات، البيوت الفلسطينية تُدمَّر، ويُمنع عنها الماء والكهرباء، وتُمنع الحركة تجاه المشافي… في حين أن المجتمع الدولي لا يفعل شيئاً”، مسمّين ما تفعله إسرائيل بـ “الإبادة الجماعيّة”. وقد وضعت استديوهات هوليوود كلاً من كروز وباردم على لائحتها السّوداء، بسبب ذلك.

لكن لم يكتف المهرجان هذا العام بما ذُكر ليكون حادثة مؤلمة لصهاينة فرنسا، هنالك مكوّنٌ رابع لهذه الحادثة، وأكثر مباشرة، فضمن فعالية «سوق الفيلم» التابعة للمهرجان والمخصّصة للأفلام قيد الإنجاز، كان مُدرَجاً للعرض ربعُ ساعة من فيلم «ميونيخ: حكاية فلسطينية» للمخرج الفلسطيني نصري حجاج، وضجّت لذلك الصحافة الصهيونية، الفرنسية تحديداً، عدا عن رسائل أرسلها رئيس اللوبي الصهيوني لكل من رئيس بلدية كان ورئيس المهرجان، وكذلك اجتماعه مع الأخير، وكلّه لمنع عرض الرّبع ساعة من فيلم حجّاج الذي يتناول الرّواية الفلسطينية لعمليّة ميونيخ الفدائيّة في 1972. أخيراً، تمّ العرض كما هو مبرمج تماماً وأُحرج الصّهاينة، وفوق ذلك حضره كين لوتش وعبّر لحجّاج عن تأييده له ولفيلمه.

أتى كل ذلك كصدفة، كأيّ حادثة، فلم يتآمر منظّمو المهرجان على اليهود ولم يتواطؤوا مع الفلسطينيين، لكن لحسن حظّنا أن لدينا قضيّة عادلة لا تخاف الأسماء الكبيرة المستقلّة والمتضامنة مع القضايا العادلة في بلادها، أن تعلن تضامنها معها.

في فسحة

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s