سينما
اكتب تعليقُا

«كافيه سوسايتي» ألِنيٌّ بامتياز، الرومانس أوّلاً والكوميديا ثانياً

★★★★★

قد كون المخرج الأمريكي وودي ألن المخرج الأكثر احتفاءً به في مهرجان كان السينمائي، والاحتفاء كذلك متبادل، فألن نفسه يختار أن يقدّم المهرجانُ، دون غيره، أفلامَه، وحين سُئل عن ذلك قال ببساطة أنّ الناس هنا تحبّ السينما وأنّه يحب الجنوب الفرنسي.

الفيلم الأخير لألِن الذي افتتح مهرجان كان قبل أيام بدأت عروضه في الصالات الفرنسية في يوم الافتتاح (تبدأ عروضه في أمريكا في شهر يوليو)، ونال تقييمات عالية أشارت بعضها إلى أنّه الفيلم الأفضل له منذ سنوات. الفيلم فعلاً أفضل مما أنجزه ألن في سنواته الأخيرة إن استثنينا، برأينا، فيلمه «رجل غير عقلاني» الذي عُرض في المهرجان ذاته السنة الماضية وفي الصالات الفرنسية قبل ستّة أشهر فقط.

الودّ المتبادل بين ألن ومرتادو السينما في فرنسا يعود لأمور عدّة من بينها المواضيع والإشارات الثقافية في أفلامه، لكن من بينها كذلك اختياره للمهرجان الفرنسي لتقديم العديد من أفلامه، في السنين الأخيرة وقبلها في الثمانينيات، فمشاركته الأولى في المهرجان كانت قبل 35 عاماً مع أحد أفضل أفلامه، «مانهاتن» في 1979. فيلمه هذا العام «كافيه سوسايتي» سيكون الفيلم الثالث عشر له في المهرجان، وفيلمه الافتتاحي الرابع بعد «قصص نيويورك» في 1989 الذي أخرج قسماً منه وأخرج القسميْن الآخرين البديعان مارتين سكورسيزي وفرانسيس فورد كوبولا، وبعد «نهاية هوليووديّة» في 2002 الذي عاد به بعد انقطاع تسعينيّاتي عن المهرجان ليكون الفيلم الافتتاحي، وبعد «منتصف الليل في باريس» في 2011.

في «كافيه سوسايتي» (أو «مجتمع المقهى» إن أردنا ترجمته لكن يُحبّذ عدم الترجمة كونه اسم المقهى، أو النادي الليلي، في الفيلم) لا يبتعد ألن عن أجوائه، الفيلم ألِنيّ تماماً، نقول ألنيّ تبعاً للمرحلة الأخيرة من فيلموغرافي وودي ألن الذي اتّخذ لنفسه أسلوباً سينمائياً في السنوات الأخيرة مختلفاً عن أفلام التسعينيات والثمانينات. قد يكون أهم ميّزاتها أنّه شخصياً، لتقدّمه في العمر، لم يعد يظهر، غالباً، كممثل في أفلامه ما أثّر على الكيفيّة التي تُقدَّم فيها الحكاية، ووودي ألن، كممثل، الأكثر قدرة على الإضحاك، فأفلامه الأخيرة مالت أكثر للموضوع الثقافي والفلسفي على حساب الكوميديا لغياب ألن فيها كممثل. لكن الكوميديا تبقى حاضرة من خلال النَّص، فألن يعرّف نفسه ككوميدي، وقد بدأ حياته كفنان ستاند-أب كوميدي قبل أن يتوجّه إلى الإخراج، وهو كاتب أفلامه، فالكوميديا تبقى حاضرة، وفي الفيلم الأخير بقوّة، في كل أفلامه. ويذكّرنا ذلك بقول أحدهم في الفيلم بأنّ “الحياة كوميديا كتبها كاتب كوميديا سادي”، لن يكون هذا الكاتب ألن على كل حال.

يبدأ الفيلم الألنيّ بامتياز بموسيقى الجاز التي تستمر على طول الفيلم وتُنهيه، لدينا الرّاوي وهو هنا بصوت ألن نفسه، ولدينا شخصيّات مركّبة، التركيب في سيكولوجيا الشخصيات وفي علاقاتها ببعضها هنا ميزة ألنيّة كذلك، علاقات الحب المتقاطعة بين أكثر من شخصيّة ميزة أخرى، السّخرية والهزل ضمن مسائل إن أخذناها خارج سياق الفيلم ستكون مآسي، كأن يحبّ اثنان يعرفان بعضيْهما الامرأة ذاتها دون أن يعرف أيهما بذلك.

في المؤتمر الصحافي في المهرجان قال ألن أنّه أراد للفيلم أن يأتي على شكل رواية، فهنالك صوت الراوي وهنالك تقديم أوّلي للشخصيات، المكان والزّمان، وأحداث الفيلم تجري ضمن انقطاعات زمنيّة مدّتها طويلة. ويمكن الالتفات لذلك أثناء مشاهدة الفيلم، لكن أثناء المشاهدة كذلك لا بد من الانتباه إلى براعة ألن ككاتب، فالحكاة التي قال بأنّه ألّفها كلّها من خياله وبناء الشخصيات فيها تستلزم كاتباً بارعاً.

يحكي الفيلم عمّا يُعرف بالفترة الذهبية في هوليوود، أواخر ثلاثينيات القرن الماضي حيث كانت الاستديوهات هي المسيطرة على المشهد السينمائي. بوبي، شاب يهودي لا يجد لنفسه مستقبلاً في نيويورك فتتصل أمّه بأخيها في هوليوود تخبره بأن ابنها سيزوره باحثاً عن عمل، وأخوها واحد من الشخصيات الهامة في شركات الانتاج هناك. يصل بوب (جيس إيزنبيرغ) ويجد صعوبة في الالتقاء بخاله الذي اعتذر مراراً ثم التقاه ودبّر له عملاً وعرّفه على سكرتيرته فوني (كريستن ستيوارت) لتُخرجه إلى المدينة وتعرّفه عليها. يقع بوب في حبّها وتخبره هي بأنّها على علاقة بأحدهم، وتكون هذه بداية التشابكات في علاقات الحب في الفيلم، وكي لا نفسد الحكاية بتشابكاتها سنكتفي بذلك.

الفيلم رومانسي تماماً، والكوميديا الذّكية فيه تعود للنص الذي كتبه ألن، لكنّه حتماً سيكون فيلماً كوميدياً أولاً ثم رومانسياً لو كان ألن شاباً وأدى دور البطولة فيه، كأفلامه القديمة، وكما أشرنا سابقاً فذلك أثّر في السياق الذي مشت عليه أفلام ألن وتطوّرت. وقد أشار هو إلى أنّه لو أخرج الفيلم قبل زمن لأدى بنفسه دور البطولة ولكن سيكون الفيلم بذلك قد اتّخذ منحى آخر، أكثر كوميديّة وأقل جديّة. قد يكون عدم قدرته على ذلك في صالح التنويع في كيفيّة مقاربة المواضيع في أفلامه وليس في المواضيع ذاتها أو الأشكال التي تتخذها، لأن الأخيرتيْن تبقيان متشابهتيْن في مجمل أفلام ألن.

الفيلم (Café Society)، لمن يجد متعة في أفلام ألن، قد يكون واحداً من بين أفضل ما يمكن مشاهدته هذا العام، ولمن لا يجد المتعة، سيكون الفيلم فرصة لإعادة النّظر بأفلام ألن، قبل أن تتم مشاهدة بعض من الـ 46 فيلماً التي أنجزها حتى الآن، وقد أتمّ الثمانين من عمره.

في القدس العربي

937056835044986

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s