سينما
اكتب تعليقُا

«ترمبو»، تبرير هوليوود لذاتها، وخلاص صهيوني من الماكارثيّة

★★

حين شاهدت فيلم «Roman Holiday» للأمريكي ويليام وايلر لم أكن أعرف أنّ دالتون ترمبو هو كاتب السيناريو، أو لم أكن أعرف من هو ترمبو، لكن علقت كلمة  في ذهني من العشر دقائق الأخيرة في الفيلم حيث الصحافيّون يعرّفون بأنفسهم إلى الأميرة، كلٌّ يذكر المدينة التي أتى منها، واحدٌ منهم يقول أنّه من تل أبيب، وذلك في 1953، أي بعد خمس سنوات على النّكبة، أو إعلان إسرائيل دولة. من بين الدّول القليلة بدا ذكر إسرائيل هنا متقصّداً وغير تلقائياً. ونال ترمبو، باسم مستعار، أوسكار أفضل سيناريو في حينها.

يُعرض في الصّالات حالياً فيلم «ترمبو» (Trumbo) عن سيرة كاتب السيناريو الأمريكي الشيوعي، وتحديداً عن صراعه مع السّلطة في ظل الماكارثيّة ومقاطعته هو وآخرين ممن عُرفوا بـ «عشرة هوليوود». والفيلم من إخراج الأمريكي جاي روتش وبطولة براين كرانستون.

في الفيلم أكثر من مسألة لا بدّ توضيحها برويّة ودون خلط بينها، الأولى أنّ ترمبو انتمى للحزب الشيوعي الأمريكي في فترة تحالف بين الأمريكان والسوفييت، في 1943، وسريعاً ولكونه يجهر بشيوعيّته بدأ يعاني من المضايقات ويُنعت بالخائن، من النّاس كما من السّلطة. لذلك قاطعته استديوهات هوليوود، هو وباقي العشرة المعلِنين لشيوعيّتهم، وهم كتّاب سيناريو ومخرجون معظمهم يهود. منعتهم هذه المقاطعة من العمل في السينما، فاختاروا أن يكتبوا بأسماء مستعارة أو بأسماء أصدقاء يعملون في المجال ذاته إنّما ليسوا على اللائحة السوداء.

هذه حكايتهم باختصار، والفيلم يصوّر بعض هذا التضييق عليهم، لكن الفيلم هوليوودي بامتياز، نقول بامتياز لأنّه يحاول تصوير تاريخ أسود لهوليوود بأسلوب التّبرير لا الاعتذار، بالمناورة فلا يخرج المُشاهد أخيراً يلوم هوليوود، أي استديوهاتها، أي شركات انتاجها، على كونها جهازاً تابعاً للسلطة، في ظل الماكارثيّة تحديداً حيث ترهيب المثقّفين وصل أوجه، وكان الشاعر بيرتولد بريخت والسينمائي تشارلي تشابلين وآخرون من ضحاياه. أتى الفيلم بشكل لا يَخرج المُشاهد منه إلا متفهّماً لتلك الحقبة، دون أن يتلقّى شيئاً عن الشيوعيّة سوى أنّها كانت تُهمة، لم يعرف غير أنّ ترمبو شيوعي ولذلك يُحاكم، باستثناء لقطة قصيرة يشرح فيها لابنته بأنّ الشيوعيّة هي أن تُشارك طعامها في المدرسة مع آخر جائع.

لكن كان لا بدّ مما هو أكثر مباشرة لتقدّم به هوليوود الحديثة الشيوعيّةَ، وهو أن يبدأ الفيلم بالتّنويه، وهذه تُؤخذ كحقائق أو مقدّمات واقعيّة ضروريّة لفهم أحداث الفيلم، أن يبدأ بسطر على الشاشة “يوضّح” بأنّ اليأس من تقدّم الفاشيّة جعل العديدين في أمريكا ينضمّون إلى الحزب الشيوعي..

إذن قبل أن يقدّم الفيلم تبريراً لهوليوود في سلوكها المتماهي مع الماكارثيّة، قدّم تفسيراً لانضمام أمريكيين إلى الحزب الشيوعي، تفسير يأخد الملتقّي بعيداً عن البنية الاقتصاديّة والسياسية لأمريكا، كأنّ همَّ الأمريكيين، البعيدين تماماً عن وغير المهدَّدين من الفاشيّة والنازيّة، هو التطرّف اليميني الحاصل في أوروبا وليس النّظام الرأسمالي والليبرالية الاقتصادية في أمريكا، التي تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقراً، وتحديداً بعد الأزمة المالية التي أودت بأمريكا في عشرينيات القرن، أي حين كان المثقّفون المنضمّون إلى الحزب الشيوعي شباباً يبحثون، غالباً، عن عمل.

وبعدها انتهى الفيلم بخطاب أقرب ليكون تصالحياً ألقاه ترمبو العجوز، مُراجعاً مرحلة الماكارثيّة، فيما يمكن أن يكون لوماً لجميع الأطراف، مستكملاً ما قاله لابنته خلال الفيلم بأنّ الحكومة جيّدة لكنه يريدها أن تكون أفضل.

إذن ليس الفيلم إعادة تقييم أو نقد لمرحلة الترهيب الماكارثي بل هو نوع من التّبرير لها، مبرزاً الظرف التاريخي الذي استدعاها، وترمبو مشاكساً، مسموحاً له أن يشاكس ضمن نظام حكم يكفل الحريّة بأن يصرّح أحد بشيوعيّته ويبقى، بشكل أو بآخر، غنياً!

المسألة الثانية التي لا بد من توضيحها هي أنّ، رغم ما ذُكر أعلاه، ترمبو لم يكن بأخلاق إنسانية نبيلة كما أراد المعجبون بالفيلم أن يفهموا، فكونه شيوعياً وواحداً من ضحايا الماكارثيّة، لا يعطي ضمانة أن لا يكون ما هو أسوأ من الماكارثي في مكان آخر، أن يكون صهيونياً في وقت مازال الجيش الإسرائيلي يتشكّل من عصابات يهوديّة فعلت بالفلسطينيين ما فعلته، فالضّحيّة في مكان يمكن أن تكون جلاداً في مكان آخر.

في عزّ أزمته هو ورفاقه من “عشرة هوليوود”، في 1960، كتب ترمبو السيناريو لفيلم «Exodus» (هجرة)، والمصنّف كملحمة صهيونيّة، كفيلم بروباغاندا هو الأكثر صهيونيّة، وكان له تأثير كبير على الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، لكونه يحكي عن تأسيس دولة الاحتلال. وبعد حظر لترمبو دام عشر سنين، يكتب فيها بأسماء مستعارة، ظهر اسمه لأوّل مرّة ككاتب السيناريو في هذا الفيلم.

لم يُشر فيلم «ترمبو» إلى إسرائيل، فقط أشار إلى أنّ فيلم «Exodus» كان الأوّل الذي ظهر فيه اسم ترمبو علناً. لكن ألم يكن هنالك ربطٌ بين التجرّؤ على إظهار اسمه على الشاشة بعد عقد من الحظر وبين فيلم الدّعاية الصّهيونية الذي كتب نصَّه؟ وكان لذلك الفيلم الصّهيوني انعطافة أنهت حقبة اللائحة السوداء في هوليوود كلّها.

كان ترمبو واحداً من ضحايا الماكارثيّة، وكان شيوعياً يحكي عن الفقراء ويعيش حياة أغنياء، وكان صهيونياً. لا يجب أن تشوّش واحدة من هذه على الأخرى، لا بد أن تؤخذ منفصلة، ولا يجب أن تؤثّر على مسألة أنّه كان، للأسف، كاتب سيناريو متميّزاً.

في القدس العربي

 

getmovieposter_trumbo_4645534654

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s