سينما
اكتب تعليقُا

«المستقبل» لهانسن-لوف. أستاذة فلسفة تبحث عن حريّتها

★★

ليس حضور الفلسفة هنا شكليّاً كما في الكثير من الأفلام، وليست الكتب الوفيرة على حيطان البيت ديكوراً للإيحاء بأّن الشّخصيات في الفيلم مثقّفة، وليست الاقتباسات من روسو وباسكال وآخرين استعراضاً، لكن كذلك لا يقدّم فيلم «المستقبل» (L’avenir) قضيّة فلسفيّة في سياق سينمائي، بل يعرض الحياة اليوميّة لأستاذة فلسفة ستصل لتعريف واقعي لمفهوم الحريّة الذي عرفته نظرياً، بعدما تركها زوجها وماتت أمّها وكبر أبناؤها وفرطت دار نشر العقد معها.

ناتالي (إيزابيل أوبّير)، أستاذة فلسفة على علاقة جيّدة بطلابها وعملها، تمضي وقتاً معتبراً في القراءة، شيوعيّة سابقة إنّما حافظت على أفكار متحرّرة لكن دون الحماسة في طرحها، ولم تشعر بهذا التّحرر إلا حين انتبهت إلى حالتها الجديدة بعدما تركها زوجها (أندريه ماركون)، وهو أستاذ فلسفة كذلك إنّما بأفكار محافظة، ولم تمنعه أفكاره هذه من أن يقيم علاقة على زوجته التي تسمّي أسلوبه في التّدريس ترهيباً للطلّاب، في وقت تمنح هي طلّابَها الحريّة والحق في التّفكير.

تمضي ناتالي وقتاً من يومها في الاعتناء بأمّها، عارضة (مانيكان) سابقة محبطة ووحيدة، تحافظ على صداقة مع طالب قديم يشاركها الكتب والأفكار عن الحريّة إنّما أكثر جرأة وراديكاليّة في تطبيقها، لفارق العمر كما يبدو. تعاني من إنجاز كتبها مع دار النّشر، مع قسم التّسويق فيه تحديداً، في وقت واحد يتركها زوجها وتموت أمّها، فتذهب لتقضي أيّاماً في الرّيف مع طالبها السّابق، هناك، في سيّارته، تخبره بأنّها الآن فقط تشعر بالحريّة، حريّة لطالما قرأت عنها ودرّستها لطلابها.

لا يقدّم الفيلم دروساً في الفلسفة، وحضور الفلسفة فيه كان طبيعياً، كان ضمن حياة عاديّة لمدرّسَي فلسفة: أحاديثهما عن نصّ قرأه أحدهما أو كتاب يشير إليه الآخر، خلافاتهما في تقسيم الكتب المصفوفة على أرفف تملأ الحيطان إثر مغادرة الزّوج، تناقض السّلوك الشخصي مع الاتجاهات الفلسفيّة لديه، وحفاظ ناتالي على عائلتها واعتنائها بها، بشكل موازٍ لأفكارها التحرّرية، قدّم الفيلم كلّ ذلك بانسياب وعاديّة، لا بثقل منفّر ولا بافتعال ناتئ ولا باستسهال مُسطَّح.

والحريّة التي شعرت بها ناتالي بدت مقرونة بحالتها الجديدة، كامرأة خمسينيّة وحيدة لم تحاول أن تكون في علاقة جديدة مع رجل آخر، لم ترغب بذلك كما بدا، ولم تحاول التّعاقد مع دار نشر أخرى ولم تحاول حتى أن تحتفظ بقطّة أمّها بعدما ماتت، اعتنت بها قليلاً إلى أن وجدت من تمنحه إياها وكان طالبها ذاته.

لم تحاول تجديد حياتها السّابقة كما كانت، إنّما بدأت بأخرى جديدة، مع كتبها وطلّابها وولديْها وحفيدها الصّغير، تدعوهم وتعدّ لهم العشاء كأمّ عاديّة، وتكمل تدريس الفلسفة لطلّابها، في توافق تام مع ذاتها التي كانت عليها والتي استمرّت بها.

ونهاية الفيلم مفتوحة، ينتهي حيث لا نتوقّع، بلقطة طويلة في بيتها، ونهاية كهذه قد تكون الأنسب للإشارة إلى حياة تستمر كما تحبّها ناتالي أن تستمر، عاديّة كما كانت.

مواقع التّصوير ملفتة، في بيتها أو بيت طالبها، في شوارع باريس أو في مساحات الرّيف، قدّمت الأماكنُ الأربعة إضافة بصريّة جميلة إلى مجمل الفيلم، حكايةً وحوارات.

وبالحديث عن طالبها، مرافقها أو “حارسها الشّخصي” كما تقول، فطبيعة علاقتها معه أبعدت الفيلم عن ابتذال محتمل تُكثر منه الأفلام، خاصّة وأنّها امرأة جميلة (إيزابيل أوبّير طبعاً)، مثقّفة، وحيدة، خانها زوجها وماتت أمّها، ترتاح لزيارة طالبها والبقاء عنده، معه هو وأصدقائه، وفوق ذلك هي مدرّسته السّابقة. الفيلم جيّد لأسباب عدّة من بينها تفادي نشوء علاقة حبّ بينهما مهّدت لها حياةُ كلٍّ منهما، تمهيد عوّدَت الأفلامُ السطحيّة المشاهدين عليها.

الفيلم من كتابة وإخراج الفرنسية ميا هانسن-لوف التي نالت عنه جائزة الدّب الفضي كأفضل مخرجة في مهرجان برلين السينمائي الأخير، ولها أفلام سابقة جيّدة كـ «Father of My Children» في 2009 و «Un amour de jeunesse» في 2011. ولن يعدل الحديث عن الفيلم دون الإشارة إلى الأداء الرّائع والمتوقّع، والكوميدي هنا، لإيزابيل أوبّير التي لا يحول حضورها الغزير في الأفلام دون أداء تُمتع به مُشاهديها.

في القدس العربي

f9752a40f37a47fb2b90fad5d25ee0124e4feae6-26765765

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s