سينما
اكتب تعليقُا

«روزالي بلوم» لرابُّنو، سردٌ مقتطَع للحكاية، وهوس الشّخصيات

★★★★

أمام مسائل فنّية قد تُعتبر أكثر أهمّية للبعض، وأمام السّرد الكرونولوجي، المتصاعد زمنياً، للحكاية، كأسلوب طاغٍ على معظم الأفلام، قد لا يُعتبر أسلوب السّرد من مفاصل الجماليّات في الفيلم أمام مسائل كالإخراج والتّصوير والحوارات، وقد مُنح الجانب البصري، أي ما نراه وليس كيف نراه، أولويّة مقابل الجانب السّردي للحكاية، أو ما يُعرف بالـ Storytelling.

هنا، في الفيلم الفرنسي «روزالي بلوم» (Rosalie Blum)، تحضر جماليات بصريّة، ليست ملفتة عمّا هي عليه في غيره من الأفلام الجيّدة، إنّما حاضرة، أمّا ما يميّز الفيلم فهي تقنيّة السّرد لديه، الـ Storytelling، الكيفيّة التي يروي فيها الفيلم حكايتَه وليس ما يرويه. وهو أسلوب أدبي بشكل أو بآخر، حيث تكون الفصولُ روايةَ الشّخصيات للأحداث، لدينا ثلاثة فصول في الفيلم، لثلاث شخصيّات، كلٌّ منها يعيد سرد الحكاية ذاتها، كلٌّ كما عاشها.

بذلك، نحن أمام حكاية قصيرة إنّما مرويّة بثلاث نسخات، كلٌّ منها تُكمل الأخرى، فتكون كلٌّ منها ناقصة. وللمونتاج هنا دورٌ أساسي في توزيع المَشاهد بين الفصول، فيكون ما ترويه إحدى الشخصيات ناقصاً ما لم نعرف ما ترويه الأخرى عمّا حصل في اللحظة والمكان عينهما.

لدينا فانسان (كيان خوجندي) وروزالي (نوويمي لفوفسكي) وابنة أختها أود (أليس إيزاك)، نسمع الحكاية بدايةً بصوت فانسان، صوتٌ من خلف الشاشة (فويس أوفر)، ثم في الفصل التالي بصوت أود، ثم تكتمل عناصر الحكاية، أو قطع البازل النّاقصة، برواية روزالي لما حصل.

وما حصل، كون الحكاية قصيرة هنا وتُروى بنسخ ثلاث تُكمل النّاقصَ في بعضها، هو أن فانسان، شاب خجول ومهذّب، يعمل كوافيراً، لم يرَ حبيبته منذ ستّة أشهر وقد انتقلت إلى باريس، وتتجاهله، يعيش وحيداً في شقّة تحت شقّة أمّه الطاغية على أسلوب حياته. يخرج باحثاً عن محلٍّ يشتري منه ليموناً لأمّه، يجد مينيماركت، فيدخله ويرى هناك البائعة فيه، روزالي، يسألها إن كانا قد رأيا بعضيْهما من قبل، تنفي، يبدأ بالهوس بها، يعرف أنّها ليست غريبه عنه إنّما لا يذكر كيف ولماذا، يلحقها لأيام، من الصباح حتى المساء، يغلق صالون الحلاقة ويلحقها، تدرك هي ذلك فتطلب من ابنة اختها اللحاق بمن يلحقها، فنكون أمام ثلاث شخصيّات تلحق بعضها بعضاً، لكلٍّ منها روايته عمّا يحصل.

لن نعرف مبرّر لحاقه بها حتى المشهد الأخير، لكنّنا نتوه في مبرّر هذا الهوس، بين الحب وبين ما نجهله، ففانسان بعمر ابنها، وهي تحكي لابنة اختها عن فضولها وإعجابها بفكرة أنّ أحدهم بلحقها، تقولها مع ابتسامة إعجابٍ وخجل، دون أن نعرف مشاعرَها تجاه ذلك. تبدأ الفتاة، وصديقتاها، باللحاق به وتصويره في الأماكن التي يتواجد فيها متتبّعاً خالتَها، بعد أيّام سيجتمع الثّلاثة وتتّخذ المسائل سياقاً أكثر قبولاً كأن تنشأ علاقة بين فانسان والفتاة أود، تفرح خالتُها بذلك، فنبدأ بفهم أنّ ما كاد أن ينشأ بين فانسان وروزالي لم يكن حباً، وإن اتّخذ شكل الهوس واللحاق.

الفيلم، المستوحى من رواية مصوّرة بالعنوان ذاته، من كتابة وإخراج الفرنسي جوليان رابُّنو، ابن المخرج جان بول رابُّنو، وهو الفيلم الأوّل لجوليان المعروف ككاتب سيناريو، ولا يمكننا غير الرّبط بين تقنيّة السّرد في الفيلم وبين حقيقة أنّه الفيلمُ الأول لكاتب سيناريو، أي لمتعامل مع الفيلم بمنطق النّص والسّرد وليس الصّورة المتروكة للمخرج ومدير التّصوير.

الأجواء الشاعريّة والسوداوية من جهة، والكوميدية حيث للصدفة أدوارها من جهة أخرى، الهادئة واللّطيفة، والموسيقى المرفقة، اللّحاق بالآخر والهوس به، التقاطعات بين مَشاهد مختلفة وشخوص مختلفة، تعدّد الرّواة، كلّ ذلك جعل الفيلمَ قريباً من واحد من أفضل الأفلام الفرنسية الحديثة وهو (Le Fabuleux Destin d’Amélie Poulain) أو المعروف بـ «أميلي» لجان بيير جنيه.

في القدس العربي

 

6765758475

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s