سينما
اكتب تعليقُا

 «البريئات» للفرنسية فونتاين، الشيوعيّة والرّاهبات والحرب وبولونيا

★★★★★

في بولونيا، 1945. انتهت الحرب العالمية الثانيّة لكنّ الجنود لم يغادروا بعد إلى بلادهم، الماصبون من الجنود الفرنسيين يُعالجون قبل عودتهم، والجنود السوفييت صاروا المتحكمين الجدد بالبلد بعدما طردوا النازيين منها.

تدخل في بداية الفيلم إلى المستشفى راهبة تترجى المساعدة، تلتقي بها ماتيلد، وهي متطوّعة في الصليب الأحمر الفرنسي لمعالجة جنود بلدها قبل عودتهم، تطلب منها الرحيل لأنّ المكان ومتطوعيه مخصصون للجرحى الفرنسيين، تصر الراهبة، فتسمعها ماتيلد وتخرج معها.

هنا يبدأ فيلم المخرجة الفرنسية آن فونتاين التي أخرجت في 2009« كوكو قبل شانيل» (Coco Before Chanel). في شتاء بولونيا وثلجها، في أجواء سوداويّة حيث تدور معظم مَشاهد الفيلم بين الدير وراهباته المغتصبات، والمستشفى، والطريق بينهما، وتقطعه ماتيلد ليلاً مارةً بين الثلوج معرّضة حياتها للخطر.

أدّت دور ماتيلد الفرنسية لو دو لاج التي أدّت دور البطولة في فيلم «تنفَّس» (Respire) في 2014. ممرضة من عائلة فقيرة، شيوعيّة، عقلانيّة، هادئة، تركت دراستها في فرنسا وجاءت متطوّعة، تجد نفسها ملتزمة بمساعدة الرّاهبات خلافاً لتعليمات المسشفى العسكري، تخرج ليلاً وتعود صباحاً، يرفضنها بداية لأسباب دينيّة تخصّهن، يجدن الراهبات أخيراً أن لا بديلاً آخر غير ماتيلد، فتزورهنّ يومياً، وفي مرّة أثناء رجوعها في عتمة الغابات يوقفها حاجز لجنود سوفييت، يعتدون عليها ويحاولون اغتصابها، تصرخ إلى أن يأتي المسؤول، يفكّها عنهم ويأمرها بالرحيل.

الفتاة الشيوعية كانت المنقذ الوحيد للراهبات، وماتيلد الشيوعية كانت كذلك ضحيّة الجنود السوفييت اللذين اعتدوا على الراهبات وتسبّبوا في مأساتهن، حكاية الفيلم كلّه. في الفيلم نجد طرفيْن، معتدي ومعتدى عليه، المعتدي هو هنا الجندي، والمعتدى عليه هن النّساء، مؤمنات وملحدات. نقول الجندي وليس الرّجل لأنّ علاقة سريعة تنشأ بين ماتيلد والطبيب المسؤول عنها (الفرنسي فانسان ماكاين) والذي يزور معها أخيراً الدير لمعالجة الراهبات. ونقول الجنود لأنّ الراهبات كنَّ ضحايا الجنود السوفييت كما كنّ قبلها ضحايا الجنود النازيين.

دخل السوفييت يوماً إلى الدير واغتصبوا بعضاً من راهباته، وأرهبوا الجميع، أحداث الفيلم تدور بعد أشهر من ذلك حيث بدأت الراهبات بدخول فترة الولادة، حالة من الرعب سيطرت على الدير، للهول الذي أدخله الجنود إلى حياة الراهبات أوّلاً، ولكن قبلها وبعدها بسبب العقليات التي تتحكم بهن، وسيطرة الراهبة الأم عليهن، ليأتيهن العذاب مُضاعفاً بسبب شعورهنَّ الإيماني، خوفهن من ربّهن وطاعتهن للأم، ما لم تكن ماتيلد تعطيه أي اعتبار كممرضة أولاً وكملحدة ثانياً، فتصر على أن تتولى عمليات الولادة وعلى الاعتناء بالمرأة وطفلها بعد الولادة، مواجهة بذلك تسلّط الأم الراهبة التي تعرّضت هي كذلك للاغتصاب.

لا تكمن قوّة الفيلم، الممتاز بصرياً، في حكايته فحسب، في ما تتضمنه من آلام من جهة ووحشيّة من جهة أخرى، بل في كون الحكاية مبنيّة على وقائع حقيقية، على تناوب الظلم من النازيين إلى السوفييت، وانفراد كليهما بالضّعيف، والحديث عن البلد كلّها كما عن دير الراهبات حيث لا حماية لهم غير ما يعتقدون بأنها آتية من السماء.

وفي الفيلم ثنائيات لا يمكن التغاضي عنها في الحديث عنه: الراهبة/الشيوعية، الامرأة/الرجل، المدني/العسكري، السلم/الحرب وغيرها مما لم يكن حضوره في الفيلم إلا طبيعياً وغير مقحمٍ، كونه واقعاً في مكان وزمان محدّديْن.

وليس لحكاية الفيلم معنى مكتمل دون الراهبة ماريا (البولونيّة أغاتا بوزيك)، غير المؤمنة بحق. بروحها المدنيّة وعدم انصياعها الأعمى للراهبة الأم كانت السبب الأساسي في إنقاذ الراهبات، في إحضار ماتيلد إلى الدير، والأهم في العمل على إبقائها رغم تمنّع الأم وخوف الأخريات من المزيد من الخطايا، ككشف أجسادهن للممرضة.

الفيلم يذكّر بآخر ارتبط معه بأكثر من سياق، وليس الحكاية، والحديث هنا عن الفيلم البولوني الممتاز «إيدا» (Ida) في 2013، لبافو بافليكفسكي. والسياقات هي الرهبنة وبولونيا والنازية والسوفييت، وتفاعلها مع بعضها. «البريئات» (Les Innocentes) من إنتاج فرنسي بولوني بلجيكي مشترك، وعُرض في مهرجان سندانس السينمائي.

في القدس العربي

Les_Innocentes870097

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s