سينما
اكتب تعليقُا

«45 عاماً» لهاي. ذكرياتُ حبيبته السابقة تُنبش بعد نصف قرن

★★★

الكثير من الأفلام الجيّدة تأخذ حكايتها عن رواية. فالمخرج فيها يتمكّن إجمالاً من العمل البصري، السينماتوغرافي، غير المعني بالحكاية، لذلك، وليضمن حكاية تزيد من شغله البصري قيمة، يلجأ إلى عمل روائي ليخرج بسيناريو عنه.

لكن هنالك أفلاماً تعتمد على الحوار، لا الحبكة، وهذه أفلامُ شخصيّاتها وليس حكايتها، يمكن مثلاً سرد الحكاية بسطريْن، لكنّها تخرج في حوارات بين الشخصيات الرئيسية، على طول الفيلم.

هنا، في «45 عاماً» (45 years) للمخرج الإنكليزي أندرو هاي، لدينا شخصيّتان، يتحدّثان طويلاً، لا أحد غيرهما، الباقي قليل وظهروهم وظيفيّ ولا يتعدى دقائق. أحاديث بعضُها عادي ويومي وبعضها يتعلّق بموضوع الفيلم، مضمون الرسالة التي استلهما جيف قبل أسبوع من احتفالهما بالعيد الخامس والأربعين لزواجهما، والتي نبشت ذكريات عكّرت الهدوء والصفو في الأيّام السبعة التي يصوّرها الفيلم.

زوجان مسنّان، جيف (توم كورتناي) وكايت (شارلوت رامبلينغ) يعيشان بهدوء لوحدهما في بيتهما الرّيفي شرق انكلترا، أكبر همومهما قد يكون عطلاً في الحمّام. تصل جيف رسالة من سويسرا تقول بأنّه تم إيجاد جسد حبيبته السابقة، الألمانية، كاتيا مجمّداً ومحافظاً على هيئته منذ خمسين عاماً حين سقطت أثناء قيامهما بتسلّق جبال الألب. ويمضي جيف وكايت الأسبوع السابق لحفل زواجهما الذي تم حجز صالة له ودعوة الأصدقاء، يمضيانه مهجوسان بما أتت به الرسالة، هو بذكرياته وهي بانشغاله بها.

يتصاعد التوتّر يوماً بيوم بينهما، تستوعب هي بدايةً الرسالة كمرحلة انتهت منذ زمن طويل وتواسيه إلى أن يشتد تأثّر تصرفاته وأحاديثه بما قرأه، وبذكرياته، بلا مراعاة لزوجته التي أمضى معها 45 عاماً، يستعيد بعض عاداته القديمة كالتدخين وأمور أخرى ذكرتها له كايت في لحظة غضب، بأنّ حبيبته السابقة لطالما تحكّمت بحياتهما، بنوع الكلب الذي لديهم وبالكتب التي يقرؤونها والموسيقى التي يسمعونها، وجميعها ألمانية.

لكن جيف لا يبدي أي اهتمام تجاه مشاعر زوجته، يستمر في النبش في ذكرياته. في العليّة حيث أغراضه القديمة، يستيقظ في منتصف الليل ليصعد ويبحث عن صورة لحبيبته. ستصعد زوجته في وقت لاحق، وقد أحسّت به، وتجد صوراً ودفتر يوميات وغيرها، من بين الصور واحدة لكاتيا ببطن منتفخ.

ستعرف كايت أموراً كانت تجهلها، ستفقد أخيراً حالة التقبّل العقلاني للموضوع بفعل الغيرة والشك بصوابيّة كل حياتهما الزوجية كل هذه السنين. لكنّها لا تتوقّف عن التحضير لحفلة عيد زواجهما. ويتّخذ مسار الحديث منحى جديداً حين تسأله وتصرّ على أن يجيبها، بأنّه إن لم تمت حبيبته قبل نصف قرن هل كان سيتزوّجها. رفض الإجابة أولاً لكنّه قال أخيراً: نعم. هنا تشعر كايت بأنّ زواجها من الأساس كان خطأً، بأنّها كانت البديل الذي لجأ إليه جيف بعد موت حبيبته.

الأجواء الهادئة للفيلم والنبرات والأصوات الخفيضة للمسنَّين المسيطرة على طول الفيلم تذكّر بأفلام كـ «ساراباند» (Saraband) في 2003، آخر أفلام السويدي إينغمار بيرغمان، وبدرجة أقل «حب» (Amour) في 2012، للنمساوي مايكل هانيك. إلى جانب الروتين اليومي تحضر المزاجيّة والتصرّفات غير المبرّرة لدى جيف، كرغبته في السّفر إلى سويسرا لرؤية جسد حبيبته السابقة كما تركه آخر مرّة، في وقت بقيت هي تستوعبه إلى أن لم تعد قادرة على سماع اسمها وأجبرته على نسيان، أو تناسي، الموضوع.

قد نلمس خيطاً عبثياً (أبزورد) في الفيلم إن فهمنا الغيرة التي أتت كايت، بأنّها مقرونة لا بحياة زوجها السابقة فحسب، ولا باستعادته لذكريات تلك الحياة مع كاتيا، بل لفكرة أنّ جسد كاتيا المجمّد لخمسين عاماً، بقي على حاله، شاباً. فكرة أنّ زوجها يمكن أن يرى المرأة التي أحبّها وأراد الزواج منها ولم يمنعه من ذلك غير موتها، يراها على حالها تلك، التي أحبّها بها. دون أن يعني كوها ميّتة أي شيء لكلا الزوجيْن. العبثيّة في هذا التفصيل ليست غير مبرّرة، يكفيها أنّ زوجها لم يعد كما كان قبل الرسالة، وأنّه لم يهتم بتصليح العطل في الحمّام.

الحكاية بشكلها العام مأخوذة عن قصّة قصيرة، حيث لا حبكة تُحاك، لكن مخرج الفيلم هاي أضاف إليها تفاصيل وكتب السيناريو، ليخرج بشكله الممتاز كما هو في الفيلم. وله فيلم سابق مختلف إنّما جيّد كهذا، أخرجه وكتب السيناريو له كذلك، هو «ويك-إند» (Weekend) في 2011.

نافس الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين العام الماضي ونال كل من رامبلينغ وكورتناي فضّيتَي أفضل ممثل وممثلة في برلين، ورُشّحت رامبلينغ إلى أوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي هذا الشهر. كما عُرض الفيلم في مهرجان تورونتو وغيره. وبدأت مؤخراً عروضه التجارية في فرنسا.

في القدس العربي

34058043507

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s