سينما
اكتب تعليقُا

«ذا ريڤِنانت» لإنّاريتو، عن الإخراج والأداء والسينماتوغرافي

★★★★

ينتهي الفيلم ببطله ينظر مباشرة إلى الكاميرا، إلى المُشاهدين، مانحاً لكلّ ما حصل في الفيلم استمراريّة يفترضها المُشاهد، ليتلقّف أحدنا النّهاية ويكمل من عندها. لا ينتهي الفيلم بمصير واضح لبطله، بل يبقى مفتوحاً، كما بدأ الفيلم مفتوحاً.

لكنّ الأفلام التي تختتم بنظرات إحدى شخصيّاتها الرئيسية مثبّتة على الكاميرا، إلى المُشاهد، عديدة، نذكر منها فيلم الفرنسي فرانسوا تروفو «أربعمئة ضربة» (Les Quatre Cents Coups) في 1959، وفيلم الأمريكي بول توماس أندرسون «ماغنوليا» (Magnolia) في 2000. وفي كلا الفيلميْن لم تكن النّظرة التي انتهى بها الفيلم سوى استمراريّة لأحداثه مودعاً إياها لدى مُتلقّيها.

وسنجد أنّ هذه النّهاية بنيويّة في «ذا ريڤِنانت»، أو «العائد من الموت» (The Revenant)، إن اعتبرنا أنّ لا حكاية مكتملة فيه، فالفيلم الذي كانت له بداية مفتوحة، وكذلك النّهاية، لم يصوّر حكاية تبدأ وتنتهي ضمن حدوده، أو ضمن مدّته الزّمنيّة. أتى الفيلم كقصّة مجتزأة من حكاية أشمل (وهي أحداث حقيقيّة)، كتفصيل مُسهب، كفصلٍ طويل في رواية أطول. وهذا ما جعل الأحداثَ فيه تبدأ وتتطّور وتنتهي في المكان ذاته: الغابات بجبالها ووديانها وأنهارها وثلوجها.

فالفيلم إذن لا يروي لنا حكاية، بل يصوّر بعضاً من حكاية، وهذا البعض امتدّ لزمن طويل بالنّسبة لفيلم، لأكثر من ساعتيْن ونصف الساعة صُوّرت كلّها في العراء. ولأنّ الفيلم لم يكترث بنقل حكاية بقدر ما اكترث بتصوير التّفصيل الذي ينقله من حكاية أوسع، كان مشهديّاً. كاد أن يكون، كلّه، الكيفيّة التي تُصوِّر ما يحصل وليس رواية ما حصل. اكترث الفيلم بالكيفيّة التي حصلت فيها المَشاهد وليس بالوظيفة الحكائيّة لها: كيف قاتل هغ غلاس (ليوناردو ديكابريو) الدّب وكيف نام في بطن حصان ميّت وكيف مضغ من كبد ثور وكيف دُفن حيّاً وكيف بقي على قيد الحياة وكيف وكيف…

الغاية الرّئيسيّة في كل ذلك هي بصريّة بامتياز، هي إجابة المخرج أليخاندرو غ. إنّاريتو على «كيف يحصل ذلك؟» وليس «لمَ يحصل ذلك؟»

ولذلك برأينا نال الفيلم ما ناله من جوائز، في الإخراج والأداء والسينماتوغرافي: إنّاريتو نال جوائز أفضل مخرج في كل من حفل الأوسكار والغولدن غلوب والبافتا، وديكابريو كذلك نال جوائز أفضل ممثل في كل من حفل الأوسكار والغولدن غلوب والبافتا، وإيمانويل لوبيزكي نال جائزة أفضل سينماتوغرافي (تصوير) في كل من الأوسكار والبافتا. وهذه الفئات الثّلاثة تُعنى أساساً باللغة البصريّة التي يعتمدها الفيلم، بكيف ينقل الفيلم محتواه وليس بما ينقله.

وديكابريو الذي استحقّ على أدائه الأوسكار، وكان أداءه الأفضل في مسيرته الفيلميّة، لم يحكِ كثيراً في الفيلم، والكلام يكون أساس الحكاية. شاهدنا شخصيّته تقاتل لتبقى حية، الأداء الاستثنائي لديكابريو كان في جسده ووجهه، وهذا يلائم السينماتوغرافي في الفيلم، فلا علاقة مباشرة بين الكلام/الحكاية وبين التّصوير في حين أنّ العلاقة تكون عضويّة بينه، أي التّصوير، وبين الأداء. ثلاثتها، الإخراج والأداء والتّصوير جعل الفيلم تحفة بصريّة اعتمد، وليس هذه صدفة، إنّاريتو في تصويره على الإضاءة الطبيعيّة وحسب.

هغ غلاس، واحد من بعثة صيّادين وتجّار الفرو، ودليلها، في الغرب الأمريكي في 1823، يتعارك مع دب ويُصاب بجروح قاتلة، يقرّر رفاقه تركه مع ابنه وآخريْن للاعتناء به وليكملوا هم طريقهم. أحدهم، فيتزجيرالد (توم هاردي)، بقي من أجل المال لكنّه سرعان ما يحاول قتل غلاس ودفنه حياً. يخرج الأخير من القبر ويبدأ رحلة انتقام ملحميّة.

نال إنّاريتو السّنة الماضية أوسكار أفضل فيلم عن «بيردمان» (Birdman)، وقد تعاون فيه مع مدير التّصوير ذاته، وكان من الملفت أن ينجز في أقل من سنة فيلماً آخر يكون علامة سينمائيّة فارقة وينال الجوائز التي نالها، والملفت تحديداً أنّ إنّاريتو قبل «بيردمان» كان يستغرق بين سنتيْن وأربع سنوات لإنجاز فيلمه، وهو بعد فيلميْه الأخيريْن لن يكون كما هو قبلهما، وإن كانت له أفلام ممتازة لكنّه بـ «بيردمان» و «ذا ريڤِنانت» صار، رسمياً، واحداً من أفضل المخرجين الحاليين في أمريكا، دون أن ننسى ثلاثة مسائل تعطي قيمةً إضافيّة لأفضليّته: أنّه مازال شاباً بالنّظر إلى عمره في مجال صناعة الأفلام (52 عاماً)، أنّه مكسيكي وليس أمريكياً، أنّه مخرج أوتور، أي أنّ أفلامه تنتمي له وليس لشركات الإنتاج، فهو إضافة إلى الإخراج، يشارك في كتابة أفلامه وإنتاجها.

في القدس العربي

revenant-leo6576876

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s