سينما
اكتب تعليقُا

«بستر كيتن، عبقريّ حطّمته هوليوود» نصف قرن على رحيله

لنبتعد قليلاً في الزّمن سينمائياً، إلى عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تنطق السينما. في حينها، كما دائماً، عانت السينما المستقلة من شركات الانتاج الكبرى، لكن في حينها كذلك أمكن لأحدهم أن يكون صانع فيلمه، أو أوتور، أي المؤلّف، الكلمة الفرنسية التي دخلت الانكليزيّة في الحديث عن «سينما المؤلّف»، حيث يكون المخرج كاتباً لفيلمه وأحياناً ممثلاً أو منتجاً أو كليهما، مثالنا على ذلك تشارلي تشابلن وموضوع هذه الأسطر بستر كيتن الذي ابتلعت لاحقاً شركات الانتاج سينماه المستقلّة. كما كان على الناحية الأخرى من الصناعة السينمائية استديوهات هوليوود، حيث، بخلاف سينما المؤلّف، كانت الأفلام مشاريع تجارية، للمنتج فيها الكلمة العليا.

يقودنا إلى هذا الحديث الوثائقيُّ الذي عرضته قناة ARTE ضمن احتفاء القناة بمرور نصف قرن على رحيل السينمائي الأميركي بستر كيتن الذي توفي في كاليفورنيا عن سبعين عاماً في 1/2/1966، بعد حياة صاخبة بالنجاحات والإخفاقات. عرضت القناة الفيلم الوثائقي «بستر كيتن، عبقريّ حطّمته هوليوود» للمخرج الوثائقي جان بابتيست بيرتيه، إضافة إلى أفلام كوميدية قصيرة لكيتن، وفيلمه المصنَّف كواحد من أفضل الأفلام في تاريخ السينما، «الجنيرال».

وبخلاف الاستقلالية التي استطاع تشارلي تشابلن الحفاظ عليها لنفسه، وقّع كيتن يوماً عقداً مع واحدة من استديوهات هوليوود أودت باستقلاليّته وبالتالي بمشروعه السينمائي، وبمجمل النتاج السينمائي العالمي المفترض حين نعرف أنّ كيتن مات في الستينيّات دون أن يصنع أفلاماً كالتي بدأ حياته بها في العشرينيات.

تميّز كيتن عن غيره من صنّاع السينما الصامتة بالعقليّة الهندسيّة التي لديه، مستخدماً الفيزياء والرّياضيات في صنع مَشاهد كوميديّة معقّدة التنفيد إنّما سهلة الاستيعاب والتحفيز للضحك، وكذلك بقدراته البدنيّة والبهلوانيّة كأنّه يقدّم عرضاً لسيرك على شاشة السينما، إضافة إلى المَشاهد الواقعيّة والخطرة والتي كادت إحداها أن تودي بحياته حين قفز من على سطح مبنى إلى آخر وسقط مرتطماً بالنّوافذ.

وكون أفلامه تشمل العديد من التجارب الخطرة، أبقى كيتن على المشهد الذي وقع فيه عن السطح وقام بمشاهد أخرى تكمّله، ليكون المشهد التالي متمسّكاً بواحدة من النوافذ قافزاً منها إلى داخل البيت، مكملاً حركاته البهلوانيّة، وكان ذلك في فيلم «العصور الثلاثة» في 1923.

وبخلاف آخرين كذلك، لم يضحك كيتن مرّة في أفلامه. في أحد أفلامه الأولى ضحك، شاهد نفسه ولم يعجبه ذلك، قال بأنّه إمّا الكوميديّ يضحك أو الجمهور، لا يمكن لكليهما أن يضحكا، من حينها لم يبدو مبتسماً حتى، لا في أفلامه ولا الصور المتلقطة من حياته الواقعيّة، فعُرف لذلك بصاحب «الوجه الحجريّ»، ولم نعرف ملامحه غير محايدة وحزينة.

أوجد كيتن لنفسه استديو صغيراً لإنجاز أفلامه، مُدخلاً زوجته وأبيه كممثلين، وكذلك الڤيلا الفاخرة التي يملكها، مع مسبحها وحديقتها، كموقع تصوير، وذلك في مرحلة الاستقلاليّة في أفلامه، فكان حراً في كتابة الأفلام وتصويرها، كان الإبداع عنده في أوجه، كان مؤلّف أفلامه كما يريدها تماماً، وقد وصل إلى قمّة نتاجه السينمائي في أواخر العشرينيات، وكذلك على المستوى الشخصي كان هانئاً، متزوّجاً من حبيبته ولديه منها طفلان.

لكن حالته بدأت تتغيّر، بشكل جذري، حين نصحه شقيق زوجته، وهو منتج في هوليوود، بتوقيع عقد مع شركة مترو غولواين ماير (MGM). تردّد بداية واستشار صديقه تشارلي تشابلن، لكن رغم تحذيرات الأخير وقّع كيتن العقد الذي سيجرّ عليه راتباً شهرياً سخياً لكنه سيسلبه أهمّ ما لديه، حريّته في صناعة أفلامه، وقد ذُكر في العقد أنّ بإمكان كيتن الاقتراح إنّما الكلمة الأخيرة تكون فقط لشركة الإنتاج.

قد يربط البعض سقوط بستر كيتن (ويشير هو إلى اسمه، بستر، ساخراً بأنّه يعني السّقوط) وبين دخول السينما مرحلة الكلام، كأن يُقال بأنّ النّاس لم يعجبها صوت كيتن أو أنّ السينما الناطقة ليست ساحته. إنّما السبب الفعلي لهذا السقوط كانت القيود التي فرضتها الشركة على كيتن وجعلها له موظّفاً عادياً تُقاس أهمّيته بمدى انصياعه لقوانينها، وهي قوانين السوق، وبمدى درّه للمال في خزائنها بانصياعاته تلك.

اليوم، لا يمكن الحديث عن تاريخ السينما، عن بداياتها البديعة، دون الحديث عن كيتن الذي قال أورسون ويليس صاحب فيلم «المواطن كين» عن فيلمه «الجنيرال» أنّه: الفيلم الكوميدي الأفضل في التاريخ، فيلم الحرب الأهلية الأفضل في التاريخ، وربّما الفيلم الأفضل في التاريخ.

«الجنيرال» (1926) لبستر كيتن 

★★★★★

اعتبره بستر كيتن أفضل أفلامه، ولم يكن مخطئاً في ذلك، هو الذي أحبّ القطارات كما أحبّ التناسق الهندسي في تصميم حركاته ومَشاهد أفلامه، واجتمع كلاهما في «الجنيرال». يسرق جوني غراي قاطرة ليلحق بها من سرقوا قطاره، واسمه الجنيرال، يستعيده ويعود به هارباً ممن كان يلحقهم، وفي الطريقيْن، ذهاباً وإياباً، تتركّز المَشاهد الكوميديّة الذكيّة التي تميّز كيتن عن سواه، في واحد من أهم أفلام السينما الصّامتة.

لم يكن ذلك اللحاق فقط لاستعادة قاطرته العزيزة عليه، بل كذلك لاستعادة خطيبته المخطوفة فيه، لكنّه، وقد تمّ رفضه كمتطوّع في الحرب الأهلية الأميركيّة، سيصير بذهابه وإيابه بطلاً، فيُدرج اسمه على لائحة المتطوّعين وتُقدّم له بدلة الجندي، فيجلس على قطاره هو وحبيبته ويقبّلها، راداً السّلام على باقي الجنود بيد واحدة.

يصوّر كيتن الحرب الأهلية دون أن يشير إلى فظائعها، وإن تم تصوير عمليات قتلٍ في الفيلم، وهو ما لم يكن مألوفاً في حينه، لكنّ الحرب والقتلى أتوا ضمن سياقي كوميدي حيث للصدفة دائماً، كما هي الكوميديا في السينما الصامتة، الفضل في المواقف المضحكة.

نقطة القوّة في الفيلم تكمن تحديداً في واقعيّته، فلا بطولة مُبالغ فيها ولا أخيار وأشرار تقليديين، علماً أنّ جوني غراي يصفُّ إلى جانب طرف في الحرب، لكنّ الأساس كانت المفارقات الكوميديّة في اللحاق أولاً وفي الهرب ثانياً. ولم يقرن كيتن الواقعيّة بتصوير دماء وأشلاء، بل بإنجازه للمَشاهد، كمجمل عمل كيتن السينمائي.

وفي واحدة من أشهر اللقطات في تاريخ السينما الصامتة يفجّر كيتن قطاراً حقيقياً على جسر حقيقي ليكون المشهد واقعياً تماماً، في حينها كان المشهد، وتالياً الفيلم، الأكثر تكلفة سينمائياً. كما أنّه صوّر مدافع حقيقية تطلق ذخيرتها، وحريقاً حقيقياً فُقدت السيطرة عليه.

ستندلع حرب بين الشماليين والجنوبيين في أميركا، يذهب جوني غراي لإدراج اسمه ضمن المتطوعين كي تفرح به خطيبته، أنّابيل، لكن يتم رفضه لأنّه سيكون مفيداً أكثر كمهندس وليس كجندي، لم يدرك هو ذلك، فيحاول مراراً ويفشل، وترفض هي أن تتحدث معه ما لم يرتد بدلة الحرب. يسرق جنود شماليون قاطرته وفيها أنّابيل، يلحقهم، يسترد الاثنيْن ويعود إلى أرضه محذّراً فريقه من خطّة سمعها حين اختبأ في بيت قائد شمالي.

شارك في إخراج «The General» كلايد بروكمان، وهو من بطولة كيتن الذي شارك في كتابته وإنتاجه. يُعتبر الفيلم أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما، كما يُعتبر أحد خواتم مرحلة السينما الصّامتة.

7567657576857

في القدس العربي

 أفلام لبستر كيتن (buster keaton) متوفّرة على يوتيوب

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s