أدب
اكتب تعليقُا

«ستيفان زڤايغ، حكاية أوروبي»

هنالك دائماً مناسبات للحديث عن كاتب كستيفان زڤايغ، قد تكون ما نشرته الصحافة قبل أيام عن كتاب جديد يتحدّث عن المثقّفين الأوروبيين المنفيين، زڤايغ وآخر مثالاً، أو عرض فيلم «فندق بودابيست الكبير» للمخرج وِس أندرسن قبل سنتيْن، الذي قال في أكثر من مناسبة بأنّ الفيلم مستوحى من أعمال زڤايغ وشخصياته، أو تحويل أحد كتبه إلى أعمال مسرحيّة بين وقت وآخر.

لكن قناة ARTE الفرنسية/الألمانية الثقافية عرضت فيلماً وثائقياً عن حياة الكاتب النمساوي بعنوان «ستيفان زڤايغ، حكاية أوروبي»، قبل أيام، في زمن قد تحتاج فيه أوروبا لتذكير ذاتها بما يمكن أن يمثّله زڤايغ.

يبدأ الفيلم تعريفه لصاحب «رحلة في الماضي» بأنّه أحد الكتّاب الأكثر غموضاً في القرن العشرين، وأنّه اليوم أحد أكثر الكتّاب مقروئيّةً في العالم. والأكثر ترجمة في زمنه. منهياً التعريف بأنّنا لم نعد نعدّ الكتب التي تتناول حياته وأعماله ولا كذلك الأفلام المستوحاة من تلك الأعمال.

وينتهي بحادثة انتحاره وزوجته في 22/2/1942، في بيته في البرازيل، بعدما أمضى اليوم السابق بتصنيف أوراقه وكتابة بعض الرسائل ممهداً لانتحاره. منها كانت رسالة إلى السلطات البرازيلية مصرّحاً بأنّه ينتحر بملء إرادته. فيموت بهدوء لا يشبه الحياة التي عاشها بين الحربيْن.

وكان للفيلم موضوعاً أساسياً حاول من خلاله قراءة حياة زڤايغ. لنصل إلى انتحاره أخيراً، ما بدا نوعاً من الإحباط من العودة بالزّمن إلى العالم الذي مثّله والذي حلم به: أوروبا الكوزموبوليتيّة، المتعدّدة والمنفتحة على نفسها وعلى الآخرين. وهذا ما يعطي للفيلم قيمةً إضافيّة بعرضه في هذه الأيام تحديداً.

فكان صاحب «رسالة من مجهولة» انساناً أوروبياً نموذجياً، مسالماً حدَّ استنكار آخرين لذلك، مقيماً إضافة إلى النمسا وألمانيا، في باريس ولندن وروما، قبل أن يغادر إلى نيويورك فالبرازيل، وهو كذلك يتقن خمس لغات أوروبية. وكانت حياته معاصرة للحربيْن العالميتيْن ومتأثّرة بهما بشكل مباشر وشخصي. فشتّته الحرب العالميّة الثانية كما شتّتت القارة الأوروبيّة.

بدأ صاحب «أموك» حياته الكتابيّة بالشعر، لكنّه سرعان ما توقّف عن كتابته ليشتهر لاحقاً بنوعيْن لا يُعرف بأنّهما يجذبان الكثير من الكتّاب، في الأدب كتب النوڤيلا (الرّواية القصيرة) ورواية واحدة هي أقرب للسيرة الذاتيّة، «عالم الأمس». وفي غير الأدب كتب السيَر الذاتيّة، العديد منها (نيتشه وماري أنطوانيت وبلزاك ودوستويڤسكي وآخرون)، إضافة إلى المسرح والرّسائل.

نأى زڤايغ بنفسه عن اتّخاذ موقف سياسي صريح من أيّ جهة، حتى النازيّة لم يتّخذ موقفاً ضدّها في البداية، لكنّه ترك البلاد باكراً، والنّازيون حظروا أعماله حين وصلوا إلى السلطة، فمُنع من النشر في ألمانيا كونه يهودياً، وأكثر من ذلك، فقد أُجريت في برلين عام 1933 عمليّات حرق جماعيّة في ساحات عامّة لكتبه وآخرين وُلدوا يهوداً كسيغموند فرويد وتوماس مان الذي نال جائزة نوبل قبل ذلك بأربع سنوات. صار زڤايغ في حينها عدوّاً قومياً لألمانيا. لكن الأسوأ من الحرق كان أنّه خسر ناشره، ولم يعد يجد من ينشر له بالألمانيّة، اللغة التي يكتب بها.

والأمر ذاته فيما يخصّ الاتحاد السوڤييتي، فقد زار موسكو بدعوة مدبّرة من ماكسيم غوركي، وعاد منها دون أن يكتب ضدّ السوڤييت، كان يؤمن بإمكانيّة الوصول إلى عالم أفضل لكنه لم يكن يجد ذلك في المثال السوڤييتي. أما الصحافة في بلاده فهاجمته فور عودته لرفضه إدانة السوڤييت.

بالقدر الذي كان فيه زڤايغ أوروبياً، في قارة مكوّنة من عدّة قوميات لم يمرّ زمن دون أن تتحارب، كان كذلك رافضاً للانحيازات القوميّة، هذا كان مأخذه الأساسي على النازيين قبل أن يتوحّشوا، وهو كذلك مأخذه على الصهيونية. رفض فكرة أن يتم تجميع اليهود في بلد واحد، وقبله رفض فكرة أن لا يكون اليهود جزءاً مكوّناً للمجتمعات الأوروبيّة والغربيّة.

قد يكون من المناسب أن يُعرض الفيلم في هذه الأيّام، في ذكرى وفاته الـ 74، للتذكير بصاحب «24 ساعة في حياة امرأة» وبأوروبّيته، في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية بسبعين عاماً، إنّما زمن يتقدّم فيه اليمين المتطرّف في انتخابات أكثر من دولة أوروبيّة، والفاشيّة تطلّ برأسها، بلا خجل، ولا أحد يعرف إلى أين ستجرّ القارّة العجوز نفسها.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s