سينما
اكتب تعليقُا

«الحاقدون الثمانية» لكوانتين تارانتينو. بين ٤ جدران و ٨ أعداء

★★★★★

يبدأ الفيلم بلقطة شبه ثابتة على مجسّم للمسيح مصلوباً وقد تغطّى معظمه بالثّلج، مع خلفيّة بيضاء يمحي فيها الثلج معالم المكان، وموسيقى أوركسترالية تمّ تأليفها خصيصاً للفيلم، ستكون من معالمه. تتابع الكاميرا حركتها ببطء إلى أن ننتبه إلى عربة بستّة أحصنة تقترب. تتوقّف ويبدأ الحوار الأوّل بين أوّل شخصيتين من الثمانية، في فيلم مملتئ بالعلامات الفارقة، من بينها سيكون الحوار والشخصيات.

صوّر المخرج الأمريكي كوانتين تارانتينو فيلمه «الحاقدون الثمانية» (The Hateful Eight) بعدسة  70mm العريضة وفائقة الوضوح، وكان لذلك أثره من البداية في اللقطات البانوراميّة لمساحات بيضاء واسعة، ولسماء تسودّ. الأحداث تجري ليلاً، وفي مكان واحد، وبثماني شخصيات. ما إن تصل العربة إلى مبنى خشبي على الطّريق، حتى يصير هذا المكان الجامع بين المطعم والمقهى والبيت إلى المسرح الوحيد للأحداث، في فيلم بمدّة ثلاث ساعات، فملأ المكان الخشبي بأثاثه ونزلائه العدسة العريضة، كما ملأ معظم مدّة الفيلم، أو كلّها إن استثنينا 45 دقيقة في العربة على الطريق الثلجي، ملأه كما ملأته الحوارات بين الشخصيات الثمانية، وهنا يبرز تارانتينو، إضافة لكونه مخرجاً متميزاً، ككاتب متميّز، يطوّر حكايته بالحوارات مطوّراً شخصيّات فيلمه ممايزاً واحدها عن الآخر.

يُقسّم الفيلم إلى ستة فصول متتابعة زمانياً، باستثناء الفصل ما قبل الأخير حيث يشرح تارانتينو، بصوته (فويس أوفر) ما تمّ عرضه حتى اللحظة، ملفتاً النّظر إلى بعض تفاصيل المَشاهد وبعض ما كان غامضاً، راوياً، بعدها، مبرّرات ذلك، كمحاولة القتل الجماعية في المقهى، في أسلوب حكائي هو علامة مميزة أخرى لهذا الفيلم. بعدها نصل إلى الفصل الأخير حيث تنتهي الحكاية.

أي سرد للحكاية هنا لن يكون ذا جدوى دون المرور على ما يكشفه الفيلم في فصله ما قبل الأخير، وكي لا تكون أسطري هذه مفسدة للفيلم سأكتفي بالتالي:

ماركويز وارن (سامويل إل جاكسون في ما يمكن اعتباره أفضل أدواره) وجون رث (كورت رسل) في عربة بستة أحصنة متوجّهين إلى بلدة ريد روك، يتحادثان في الطريق ويلتقيان بآخر يصعد معهما، ماركويز محمّلاً بجثث يسعى لاستبدالها بالنّقود وجون آسراً دايزي (جينيفر جايزون لاي) المتهمة بارتكاب جريمة قتل ليسلّمها للشرطة وينال عنها نقوداً كذلك. تقف العربة لآخر يقول بأنّه الضابط المسؤول الجديد عن المدينة المتجهين إليها. تجبرهم العاصفة الثلجية على المرور بالمقهى والبقاء هناك ريثما تهدأ ليكملوا طريقهم. هناك، يلتقون بأربعة رجال، كلٌّ على حدة، فنشاهد الحوارات التي تبدأ بالتعارف وتتطوّر إلى القتل، دون أن ندرك جيداً مَن فعل ماذا إلى أن نصل إلى الفصل ما قبل الأخير حيث يكشف تارانتينو الأحداث وشخصياتها.

متّخذاً شكل الوسترن، في سنوات ما بعد الحرب الأهلية الأمريكية، جعل تارانتينو لفيلمه حبكة الأدب البوليسي (أغاثا كريستي مثالاً) حيث الغرفة المغلقة، القاتل متواجد فيها، كيف دخل وكيف يخرج وكيف لا يترك دليلاً على جريمته ثم كيف يُكتشف، هذا كلّه نشاهده في الفيلم دون أن نخرج من المساحة المغلقة.

إن أمكن لملحمة أن تنحصر، من أوّلها حتى آخرها، بين أربعة جدران، سيكون «الحاقدون الثمانية» أفضل مثال على ذلك، دون أن تخرج الحوارات بمواضيعها إلى ما خلف الجدران، أي دون أن تكون هنالك إحالات إلى ما هو خارج المكان. المُشاهد هنا أمام ثمانية وحوش حاقدون لا فكرة لديه من منهم يتآمر مع من ومن سيقتل من، محبوسون في غرفة واحدة، خارجون من حرب أهليه كان بعضهم على طرفيْها، مسلّحون جميعهم، عزلهم ذلك، والعاصفة الثلجية، عن كل ما هو خارج المكان من حياة آدميّة. حتى الباب الذي لا يُغلق إلا بدقّ خشبتين عليه بالمسامير لتثبيته بالجدار، كان ترميزاً آخر على حبسهم، فكان المكان كالمسرح الروماني، لا يتوقّف القتال فيه إلا بموت أحد المتصارعيْن.

ليس من السهل أن نقول بأنّ تارانتينو يفوق بفيلمه الأخير أفلامه السابقة وقليلة العدد، لسبب واحد هو جودة تلك الأفلام، من «Reservoir Dogs» في 1992، إلى «Pulp Fiction» في 1994، و «Kill Bill» بجزأيه في 2003 و 2004، وغيرها.

وفي «الحاقدون الثمانية» يجمع بين التشويق والكوميديا السوداء وبين التحقيق والويسترن وبين العنف والعنف المفرط، مثبّتاً نفسه ككاتب أفلام وكمخرج مستقل قد صنع باكراً (52 عاماً الآن) اسماً وأسلوباً سينمائيين جعلاه حاضراً دائماً بين الأفضل أمريكياً، دون أن يكون خاضعاً لشروط الصناعة الهوليوودية للأفلام، بل دون أن يمتنع عن التّصريح مراراً برفضه لها.

في القدس العربي

the-hateful-eight-poster

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s