فنون
اكتب تعليقُا

الدّخول المتأخّر وفيلم «سايكو» وقانون ألفرد هيتشكوك

لم أنشغل كثيراً في الأمر، وإن كان شرطاً أساسياً قبل مشاهدة الأفلام، يسبقها بوقت كافٍ لتحقيقه. لكنّي، وأثناء مشاهدة «البونَسْ» المرفق بفيلم «سايكو» (Psycho) لألفرد هيتشكوك، وكان وثائقياً طويلاً عن الفيلم يحتوي تقريراً دعائياً كان قد رافق الفيلم أثناء عروضه الأولى في نيويورك عام 1960، أثناء مشاهدته انتبهت إلى أنّ قوانين يتوجّب، اليوم، وضعها فيما يخصّ المنع من الدّخول إلى الصالة بعد البدء في عرض الفيلم، وهو ما أجبر هيتشكوك دور السينما عليه فيما يخص عروض «سايكو»، أحد أهم أفلام التشويق في تاريخ السينما.

لي تجارب شخصيّة في بؤس أنّ قوانين كهذه لا تُقر، والصالات التجارية أساساً لن تمنع «زبوناً» من دخول الصالة طالما أنّه دفع سعر التذكرة، ولو دخلها قبل نهاية الفيلم بدقائق. هو في النهاية زبون وليس مُشاهد، دافع لثمن التذكرة وليس متلقٍّ للفيلم، في حين أنّه، بالنسبة لمخرج كهيتشكوك، متلقٍّ قبل أن يكون دافع ثمن التذكرة.

وليس الحال كذلك في دور أخرى، تُسمى بالفرنسية بالـ «Art et Essai»، حيث تُعرض الأفلام ذات القيمة الفنّية، المستقلة وغير التّجاريّة وذات الميزانيّة المعقولة، هنا يُغلق باب الصالة على من فيها فور البدء في عرض الفيلم، غير المسبوق بإعلانات تجارية، فيُجبر الجميع على الحضور قبل الموعد. وهذا ما يجب أن يُعمَّم، احتراماً للفيلم ولباقي المُشاهدين في القاعة إن لم يكن لإتمام متعة المشاهدة بعدم تفويت دقائق من الفيلم، وهذا الأساس برأيي بالنسبة لواحدنا: المتعة.

التجربة الأولى كانت في إحدى الصّالات التّجارية، وهي سلسلة الدور الأكبر في فرنسا وإحدى أكبر شركات الإنتاج السينمائي فيها، «غومون باتيه». وهي، لذلك، تعرض المستقل والتّجاري من الأفلام. وهي، للإشارة إلى حجمها، تحتفل حالياً بمرور 120 عاماً على تأسيسها، بشعار «منذ وُجدت السينما»، ولها 72 دار سينما في فرنسا.

تعرض «غومون» بين فترة وأخرى أفلاماً قديمة كان لها أثرها في تاريخ السينما كنوع من الاستعادة ضمن مناسبات معيّنة، من بين هذه العروض كان فيلم ستانلي كوبريك «The Shining». لسبب ما وصلتُ متأخّراً، وكان عرضاً وحيداً للفيلم فلم أُرد تفويت مُشاهدته سينمائياً. كانت الصالة مظلمة وكان الفيلم قد بدأ منذ دقائق، فاتني بعض الحوار وإن كان الفيلم ما يزال في مشهده الأوّل، اتّخذت أيّ مقعد وجلست فيه أفكّر، طوال الفيلم، بالسّطريْن الذيْن فوتُّهما، بمدى علاقتهما المفترضة بما أشاهده وأسمعه.

ولو كُنت قد أُخبرت بأنّ الفيلم قد بدأ وأنّ الباب أُغلق، لأمكنني مشاهدته لاحقاً على DVD من أوّله إلى آخره، مضيفاً عليه «البونَسْ»، وإن كنتُ سأخسر بذلك المشاهدة السينمائية له. لكن الآن، وقد شاهدته ناقصاً دقائقه الأولى، سأنتظر سنيناً أخرى لأُعيد مشاهدته، بعدما أكون قد نسيت العديد من مَشاهده وحواراته، وإلى حينه سأستعيد الحسرة كلّما تذكّرته، وهي حسرة ذكّرني بها إجبار هيتشكوك دور السينما على إغلاق أبواب صالاتها فور بدء فيلمه.

أما التجربة الثانية فكانت في فيلم «Nymphomaniac» للارس فون تراير، الجزء الأوّل منه، أمّا تأخّري فكان سببه من كانت معي. كذلك دخلنا وكان الفيلم قد بدأ، أمّا الأسوأ فكان أنّ المقعديْن الوحيديْن المتجاوريْن المتوفّريْن، ولم يُتَح لنا البحث كثيراً عن غيرهما، كانا بين المقاعد الأولى والجانبيّة، عذاب مُضاعف زاد منه مدّة الفيلم الطويلة نسبياً والسّاديّة المفرطة فيه. ولو كنتُ لوحدي لخرجت، كما فعلت مراراً، وحجزت في توقيت آخر للفيلم ببطاقة الاشتراك السّحريّة التي لدي، أدفع لها مبلغاً ثابتاً شهرياً وتُبقي أبواب جميع الصالات لجميع العروض والأفلام مفتوحة على طول الشّهر.

لم يحصل أن تأخّرت على غير الفيلميْن المذكوريْن، وإلا لتذكّرت غيرهما، شاعراً بالأسى كلّما فعلت، مواسياً نفسي بأنّ هنالك زمن سينقضي لأعيد بعده المُشاهدة بظروف وشروط أفضل.

أثناء مشاهدة التقرير الدعائي لفيلم «سايكو» تذكّرت الفيلميْن، تذكّرت بأنّ الأفلام الجيّدة جميعها تحتاج لإصرار مخرجيها على أن تُغلق أبواب الصالات فور بدئها، متيحة بذلك للمشاهدين شروط مشاهدة جيّدة أو تأجيل كلّي للمشاهدة، إلى أن تُتاح الشّروط.

في 1960، رفعت بعض دور العرض في نيويورك لافتة عريضة، بطلب من هيتشكوك، مكتوب عليها «لا أحد، ودون استثناء، سيُسمح له بدخول الصّالة بعد البدء بعرض سايكو»، ويقول هيتشكوك بأنّ «الغاية من ذلك هو زيادة الإمتاع في مشاهدة الفيلم، ليس في ذهننا سوى متعتكم»، مضيفة إليها لوحات أصغر معلّقة على جدران الدور الخارجية والداخلية، مع صور لهيتشكوك محذّراً، تؤكّد عدم السّماح بالدّخول متأخراً، مع إمكانيّة حجز تذكرة للعرض التالي.

وعند المدخل، يقف مجسّم كرتوني لهيتشكوك نفسه يحمل لوحة كُتب عليها التالي: «لن نسمح لك بخداع نفسك، عليك أن تشاهد سايكو من البداية حتى النّهاية كي تستمتع به بشكل تام، لذلك لا تتوقّع أن يُسمح لك بالدخول إلى الصالة بعد البدء في أي من عروض الفيلم. نقول لا أحد ونعني لا أحد، ولا حتى أخ المدير ولا رئيس الولايات المتّحدة أو ملكة انكلترا، ليباركها الله».

في ألترا صوت

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s