فنون
اكتب تعليقُا

 «قصّة روح»، مونولوغ في فيلم. نصٌّ لإنغمار بيرغمان وأداء لمارسو

★★★★ 

يمكن تلقّي العمل الفنّي، «قصّة روح» (Une histoire d’âme)، على ثلاثة مستويات، كنصٍّ يُقرأ كونه سيناريو كتبه المخرج السويدي إينغمار بيرغمان ولم يحوّله إلى فيلم، فبقي نصّاً مكتوباً لصاحبه، ويمكن تلقّيه كمسرحيّة تُؤدى على الخشبة لأنّه كان كذلك لعدّة سنين، ويمكن تلقّيه كفيلم تلفزيوني لأنّه كذلك الآن بعدما عرضته للمرة الأولى قناة arte الثقافية وصار متوفّراً على دي-ڤي-دي.

سأترك النص جانباً، وكذلك المسرحية، فالنص لم يصدر كمادة مكتوبة والمسرحيّة لم يتسنّ لي مشاهدتها، لكن لحسن الحظ عرضت القناة الفرنسية/الألمانية الفيلم (أو التيليفيلم) بعدما قامت مخرجة المسرحية ذاتها، بعد تحويل النص إلى المسرحية، بتحويل المسرحيّة إلى فيلم.

لكن أين تكمن الأهميّة في الفيلم؟ هي أولاً وثانياً وثالثاً في صاحب النص، فبيرغمان (1918-2007) يُعد من أهم المخرجين السينمائيين وأحد أكثرهم تميّزاً، وصاحب العديد من الجوائز لعلّ أهمّها «سعفة السّعفات» (1997) التي يمنحها مهرجان كان السينمائي بشكل نادرٍ كتكريم عن مجمل الأعمال. ولم يكتفِ صاحب «الختم السابع» بصناعة الأفلام بل تعدّاها إلى العمل على مستوى النظريّة والنقد في السينما، كتابةً وحديثاً. ونصّه هذا الذي كتبه عام 1972 ليكون فيلماً، لم يجد طريقه إلى التصوير فأعطى حقوقه لمخرجة العمل بينيديكت أكولا.

وتكمن الأهمية رابعاً في الأداء المتميز لسوفي مارسو، الجميلة الفرنسية التي أدتّ النصّ كمسرحية في 2011 قبل أن تؤيه أمام الكاميرا. والحديث هنا عن مونولوغ، أي أن الممثل الوحيد هي مارسو، والصوت الوحيد لها، واعتمد الفيلم على ديكورات مسرحيّة، فكان المكان هو البيت، غرفه، وكان الديكور متقشّفاً، مينيماليست، تاركاً مساحات شاسعة في الغرف لتكون مارسو وحركاتها مركز الصورة وأساسها.

وتتحدّث مارسو طوال مدّة الفيلم (83 دقيقة)، في لقطات ممنتجة وليست متواصلة، في سرد تتداخل فيه المواضيع والنبرات إنّما دون أحداث، فتبدو كمن تحكي حكاية وتؤديها. وطوال هذه المدّة كان من الصّعب إشاحة النظر عن الشاشة، أو الالتهاء بغير ما يسمعه المُشاهد وما يراه، خاصّة وأنّ مارسو في معظم مَشاهدها كانت تُحادث الكامرا، أو المُشاهد كأنّه جمهور مسرحيّة.

أمّا جمع بيرغمان ومارسو في هذا الفيلم فكان بفضل مخرجته أكولا، التي كانت مسرحيّتها أول تجربة إخراجية لها، وكذلك الفيلم الذي أضاف الإخراج فيه إلى النصّ والأداء، فكان الديكور، الإضاءة، الحركات، تداخل الأصوات، اللقطات القريبة لمارسو، والبعيدة، والقريبة جداً، كلّها دلّت على أنّ المشروع بمجمله كان، علاوة على فرادة طبيعته، ناجحاً سينمائياً.

وبالحديث عن دور المخرجة التي كتبت السيناريو كذلك، مأخوذاً عن نصّ لصاحب «بيرسونا»، فالشكل الذي تم نقل أصوات مارسو فيه والتنويع عليه، أضفى على الفيلم حيويّة زادت على ما منحه النص والأداء، فمارسو كانت تحكي معنا، مع الكاميرا، وأحياناً مع أناس خارج إطار الكاميرا، كخادمتها وأبيها وزوجها، ولم نرَ غيرها كوننا أمام مونولوغ، وأحيانا لا نراها تتحدث إنّما نسمع صوتها، كأنّنا نسمع ما يخطر لها، أحياناً تحكي مع المرآة، تسكت فتكمل صورتها على المرآة الحديث، تحكي مع التلفزيون وتسكت وتشاهد نفسها تكمل الحديث عن التلفزيون، تحكي كأنّها تعلّق أو تروي أو تتحدّث أو تصرخ أو تبكي أو تضحك.

أمّا الحكاية، فهي حكاية ڤيكتوريا التي تخطّت الأربعين من عمرها، برجوازيّة، سويديّة، جميلة، تعيش وحيدة تماماً، ووحدتها تسيطر على النص والأداء، نسمعها تحكي عن أحلامها وخيالاتها وواقعها، تُعيد إلى الحياة أشخاصاً وتتحدّث معهم وعنهم. الفيلم بورتريه لامرأة تفكّر بصوت عالٍ مستعيدة ذكرياتها ورغباتها، من بينها تلك التي تخصّ التمثيل والكتابة، وقد أرادت أن تصير ممثلة وأن تكتب شعراً.

قبل وفاته بثلاث سنين، في 2004، اكتشفت المخرجة أكولا سيناريو لبيرغمان لم يكن قد حوّله إلى فيلم، وبعد قراءته استطاعت إقناعه بمنحها الحقوق في التصرّف بالنص مسرحياً، معطية النص العنوان الحالي بعدما كان عنوانه السويدي «مسألة روحيّة». أمّا نقل النص إلى التلفزيون فقد نالت حقوقه بعدها من «مؤسسة إنغمار بيرغمان».

تخسر السينما في أنّ الفيلم لم يُعرض على شاشتها الواسعة واكتفى بالتلفزيون، وإن لم ينقصه ما يمكن أن يجعله فيلماً يُعرض في الصالات. لكنّه وإن كانت طبيعته المونولوغيّة قد تسبّب الملل لدى البعض، فهي ذاتها قد تشدّ آخرين إليه، إلى نصّ بيرغمان وأداء مارسو تحديداً.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s