سينما
اكتب تعليقُا

«مجانب للبحر» لجولي. استعادة لأفلام أوروبّا السبعينيّات

★★★★★ 

ابتعدت أنجلينا جولي في فيلمها الأخير «مجانب للبحر» (By the Sea) عمّا يمكن أن يُنسب إلى السينما الأمريكيّة، إلا اللهجة المحكيّة، وأتى فيلمها ليكون أقرب للعمل الفنّي، لأفلام الآرت الأوروبيّة، ما يناسب صالات «الآرت هاوس» المخصّصة لذلك بخلاف الصالات التجارية. ليس ذلك لابتعاده عن المتوقّع من فيلم أنتجته شركة يونيڤيرسال، إحدى أكبر الشركات في هوليوود، بل لأجوائه الأقرب فعلاً للأفلام الأوروبية في الستينيات والسبعينيات.

ولهذا التشبيه محفّزات تبدأ من الأغنية المرافقة للفيلم في مشاهده الأولى والأخيرة، أغنية «جين بي» لجين بيركين، بكلماتها الفرنسية وموسيقاها التي ميّزت تلك الفترة، وبالمكان الذي يُصوّر فيه الفيلم، وهو فندق يطل على البحر المتوسّط في الجنوب الفرنسي، غرف الفندق والبار/المطعم فيه، وكذلك الإطلالة حيث البحر والجبال، إضافة إلى اللغة الفرنسية التي حضرت في العديد من الأحاديث.

أما المبرر الآخر، وهو من خارج الفيلم، فهو أنّ «مجانب للبحر» (أو «مطلّ على البحر» في النسخة الفرنسية من اسم الفيلم) يذكّر في أجوائه وموضوعه بفيلميْن أوروبيّين مهمّيْن، أكثر من غيرهما، أولهما «احتقار» لجان لوك غودار ((1963 حيث كذلك صُوّر الفيلم في كثير من مشاهده على ساحل المتوسّط وكذلك بطله كاتب وكذلك بطلته امرأة أراد الفيلم تصويرها فائقة الجمال (بريجيت باردو) وكذلك العلاقة بين الزوجيْن ليست على ما يرام. الفيلم الثاني هو «الليلة» (1961) للإيطالي مايكلأنجلو أنطونيوني حيث لدينا كذلك العلاقة المتأزّمة بين زوجين، هو كاتب وهي جميلة بشكل ملفت (جان مورو).

والفيلم بمجمل أجوائه كان أقرب لأفلام «الموجة الجديدة» في فرنسا، فيلم سبعيني بكلّ ما فيه، إلا، في حالات قليلة، نصّه المكتوب، حكايته وليس حواراته، التي استطالت في بعض جوانبها وكادت أن تسبّب مللاً أو تململاً. والشغل كان كلّه على جولي، فهي كاتبة الفيلم ومخرجته (فيلمها الثالث كمخرجة)، ومنتجته مع زوجها براد بيت وهما كذلك بطلا الفيلم.

رولاند، كاتب أمريكي، وزوجته فانيسا يصلان إلى فندق حيث سيمكثان لفترة غير محدّدة لينجز هو كتابه دون أن تقوم هي بشيء خاص، وقد كانت راقصة باليه. حياتهما الزّوجية متأزّمة، لا قبلات ولا ممارسة للحب، أحاديثهما قليلة، يكتفي بإخبارها قبل خروجه بأنّه يحبّها، من بعيد، وترد هي من على السرير بأنّها تعرف. يرسل لها قبلة في الهواء، في مرة أخرى، من بعيد كذلك، تقول بأنها ترسلها/تعيدها له وهي منشغلة أمام مرآتها، كأنّها ردّت قبلته ذاتها. يمضي هو معظم وقته في المطعم/البار محاولاً الكتابة، وهي في الغرفة أو البلكون.

يسكن في الغرفة المجانبة زوجان فرنسيان، تكتشف فانيسا ثقباً في الجدار بين الغرفتيْن وتبدأ بالتلصص عليهما. يصل تلصصها حدّ الهوس فتنكشف أكثر الأزمة بينها وبين زوجها. رولاند منشغل عنها في كتابته، أو محاولته للتغلب على «الرايترز بلوك» والمواصلة في الكتابة المتأزّمة هي الأخرى. يكتشف الثقف، يعود باكراً فيراها تتلصّص، يتلصّص معها ويتقاربان أكثر، تبدأ الأزمة العاطفية والجنسية بينهما بالانحلال كأنّ هروبهما كليهما من واقعهما إلى حيوات أخرى كان حلاً أو مخرجاً للأزمة في علاقتهما، إنّما تبقى الأزمة ذاتها مسيطرة على سلوك كليهما، مع بعضيهما ومع جاريهما. تتهم فانيسا زوجها بأنه يريد أن ينام مع الجارة الفرنسية (ميلاني لوران) ثم تحاول نفسها إغواء الزوج الفرنسي في غرفته. يعود رولاند باكراً ويراهما من الثقب فيسرع ويدخل عليهما، ويتلو ذلك انحلال في الحبكة وسير للفيلم إلى نهايته.

فانسيا امرأة جميلة، جداً، مصابة بإحباط مزمن كما يبدو، بانفصام أحياناً، بنقمة على سعادة الآخرين، تمضي معظم وقتها بقميص النّوم في الغرفة، تقرأ مجلات نسائية، مستلقية على سريرها أو جالسة على الأرض بجانب الثقب، أو مستلقية على البلكون بثياب وقبّعة أنيقة. أما رولاند فكاتب شبه معروف، يحضر معه الآلة الطابعة الإيطالية أوليڤيتي ڤالنتاين الحمراء، لكن لا نراه يكتب إلا على دفتره في البار أو على الشاطئ، ونجاحه الأدبي لا يعود إلا لروايته الأولى المنشورة قبل زمن.

أداء كلاًّ من جولي وبيت كان مقنعاً في الشخصيتيْن، هو في سلوك متفاوت بين اللامبالاة والاهتمام بها، وهي في سلوك مضطرب في علاقتها مع نفسها من جهة ومع زوجها من جهة ثانية ومع جاريهما من جهة ثالثة، ونهايات الفيلم ستكشف ما يمكن أن يكون مبررات لهذا السلوك لدى كليهما.

في أسلوبه وطرحه لموضوعه، في السينماتوغراف، في الأمكنة والموسيقى، في السرد السلس والحوارات المكثّفة، كان الفيلم إحالة إلى الأفلام الأوروبية في تلك الفترة، وهي التجربة الأولى لجولي في ذلك، وكأي تجربة أولى يعوزها بعض النّضج، وجولي المخرجة كانت أفضل من جولي الكاتبة هنا، ربّما لأنّ الكتابة ليست حوارات وحسب، بل حكاية تتطوّر تنقلها هذه الحوارات مع الصّور.

وبكلّ الأحوال، أفضّل أنجلينا جولي في «مجانب للبحر» كمخرجة وكممثلة على جولي المخرجة أو الممثلة في الأفلام السابقة، وبطبيعة الحال أفضّل هذا الفيلم على الكثير مما خرج من هوليوود هذه السنة، أو معظمه، ولعلّها مساهمة من إحدى أفضل الممثلات، وأكثرهن وعياً سياسياً وإنسانياً، في استعادة بعض الوجه الفنّي للسينما الأمريكية.

في القدس العربي

by-the-sea-poster653765

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s