فنون
اكتب تعليقُا

«حياة أديل» لكيشيش، ممنوعاً في فرنسا بأمر اليمين المتطرّف

حتى في فرنسا، البلد التي يحب أهلها تسميتها ببلد ڤولتير وأحياناً موليير، الأول للدلالة على الحرّيات والثاني على الفنون. حتى في هذه البلد هنالك من يجهد لتطويق الحريات وتنميط الفنون. بكلمات أخرى، هنالك المطاوعة إنّما بنسخة فرنسية، مطاوعة تنتمي لليمين المتطرّف، قومي ومتديّن وعنصري، أو فاشي إن أردنا الاختصار، ويسعى لفرض أسلوب حياته على الآخرين.

وغالباً ما تتغذى هذه المطاوعة على أعمال فنّية توسّع آفاق الحريات من خلال الموضوع الذي تطرحه أو الأسلوب في الطرح أو كليهما. والسينما، كفنٍّ لا حدود لموضوعاتها ولا لأساليب الطرح فيها، تكون، غالباً، ما تتغذى عليه المطاوعةُ في فرنسا، والحديث هنا عن فيلم «حياة أديل» للمخرج التونسي الفرنسي عبد اللطيف كيشيش، والذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 2013، وأهدى كيشيش الجائزة للشباب الفرنسي وللثورة التونسية.

هنالك في فرنسا مؤسسة اسمها بروموڤوار، مقرّبة من اليمين المتطرّف الذي نال قبل أيّام المركز الأوّل في انتخابات المناطق في فرنسا في دورتها الأولى، وكانت قد كسبت المؤسسة دعوى قضائية رافعةً سنّ السماح لمشاهدة فيلم «حب» لغاسبار نوي وفيلم «نيمفومانياك» للارس فون تراير من 16 عاماً إلى 18.

اليوم، استطاعت المؤسسة سحب ترخيص وبالتالي منع عرض «حياة أديل» للأسباب ذاتها، أي المَشاهد الجنسية فيها كما في الفيلميْن المذكوريْن. وفيلم كيشيش كان أساساً ممنوعاً للمشاهدين دون عمر 12، مرفقاً بتحذير: «يحوي على العديد من المشاهد الجنسية الواقعية والصادمة للمشاهدين الفتيان».

وبالنسبة لمحكمة الاستئناف الإدارية في باريس، فإن هذه المَشاهد ذاتها «الجنسية الواقعية» إنّما هي «ذات طبيعة مؤذية لحساسية الجمهور الفتي»، وذلك يشمل المراهقين من هم فوق 12 من أعمارهم. وبالتالي فعلى وزيرة الثقافة الفرنسية أن تنظر في إعادة النظر في ترخيص الفيلم، في مدّة لا تتجاوز الشهريْن.

أمّا خلف هذه القضايا فهو محامي المؤسّسة الذي يعرّف عن المؤسسة في حوار مع مجلّة «بروميير» السينمائية بالتالي: «ندافع عن كرامة الإنسان ونحمي القصّر، من خلال الترويج للقيم اليهودية/المسيحيّة»، معطياً في باقي الحوار خطاباً متديناً محافظاً، خطاب من نصّب نفسه وصياً على المجتمع، خطاب المطاوعة ذاته في بلادنا العربية.

وقد صار الحزب الأكبر في البلاد، يبدو أنّ «الجبهة الوطنية»، أو اليمين المتطرّف، الممتعض بالضرورة من أن ينال مخرجٌ أسمر اسمه عبد اللطيف الجائزة السينمائية الأكثر اعتباراً في فرنسا والعالم، وفي فيلم يتناول العلاقة المثليّة، وهم مصابون بالهوموفوبيا، أو رهاب المثليّة، يبدو أنّه يستهلّ فرض أسلوب الحياة المغلق والعنصري والمَرَضي، كحزب سيحكم فرنسا إن استمر الحال على ذاته، يستهلّه، ثقافياً، باسم عربي هو من بين الأفضل سينمائياً في فرنسا. والجدل الذي تلا نيل كيشيش السعفة الذهبية في كان فاحت منه رائحة غير بعيدة عن ذلك.

الفيلم الذي يروي قصّة أديل (أديل إغزاركوبولس) وعلاقتها المثليّة بإيمّا (ليا سيدو) والطويل نسبياً (179 دقيقة)، تشغل المَشاهد الجنسية فيه نسبة لا بأس بها من مدّته. فهنالك من رفضه لموضوعه وهنالك من رفضه للأسلوب في طرح المسألة المثلية حيث صُوّرت المَشاهد الجنسية بجمالية وحساسيّة تليق بعمل سينمائي فنّي لم ينل غير الاستحسان النقدي ما لم تتدخّل الشرطة الدينيّة الساكنة في رؤوس الكثير منّا، والكثير منهم، في فرنسا بلد ڤولتير وموليير.

في القدس العربي

5676887698796

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s