فنون
اكتب تعليقُا

حوار مع ميشيل خليفي عن السينما واللغة والسلطة والحرية

ضمن عروض «سيني-بالستين» (أو سينما فلسطين) التي نظمتها جمعيّة «هنا، هناك، هنالك» في مدينة تولوز في النصف الثاني من شهر أكتوبر، عُرضت ثلاثة أفلام للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، هي «عرس في الجليل» و «الذاكرة الخصبة» و «حكاية الجواهر الثلاث» في «سينماتيك تولوز»، وكان خليفي الضيف الرئيسي للدورة الحالية من العروض. التقيناه إثرها وقبل عودته إلى بروكسل، مكان إقامته، فكان هذا الحوار عن اللغة والسلطة والحرية والسينما.

– تحدّثت أمس في لقائك عن ثقافة الفقراء، وأنك معها، وأنك ضد فقر الثقافة.  ما  الذي عنيته بذلك وهل هو موقف يوضّحها في أفلامك؟

– هذا هو الأساس الفكري الذي جعلني أقوم بأفلام كهذه، فلستَ بحاجة لإنتاج مكلف أو أن تدخل في سياق تمويلي يفرض عليك أن تخون أفكارك، بإمكانك أن تقدم الكثير بأشياء بسيطة حاضرة بين يديك. مثلاً، بيكاسو كان يبحث في الشارع عن قطع من الخشب والورق وأوجد منها روائع، فلست بحاجة لأن يضعونك في قصر لتكتب، أو أن تدخل في سياق نظام مالي أو فكري لتصير كاتباً، يمكنك الكتابة من موقف الفقراء الموجودين على الأرض. ومن ناحية ثانية قصدت أن تكون قريباً من الفقراء، من نمط حياتهم وفكرهم المختلف عما هو لدى الأغنياء، فتجد أن رأس المال يستولي على المواهب ليعمل منها عملية إنتاجية وتراكمية للمال، بالنسبة لي فثقافة الفقراء تعطينا القوة في المواد والأدوات وفي النمط الفكري وفي إنسانيتنا لنبقى في ثقافة المقاومة في وجه من يفقروا الثقافة ويفرغونها.

– هل يستطيع رأس المال إذن وضع حدود من خلال السيطرة المادية للنمط الجمالي والفني لما يتم إنتاجه وهل يؤثر ذلك على الحرية اللازمة للإبداع؟

– بالتأكيد، فهو يأخذ المواهب، مثلاً في مرحلة معينة كنّا نجد من يذهب إلى إفريقيا ويعود إلى باريس بفتاة جميلة كان لها حياتها وثقافة مجتمعها، وتصير عارضة أزياء ثم تدخل في متاهات المخدرات وغيره، ليس هذا تعميماً لكنه موجود. أو تجد من يعود بقناع أو رمز هو جزء أساسي من الثقافة الإفريقية، ليصير بعدها سلعة في أوروبا. المشكلة لدينا أن المثقف والفنان عندنا ينظر أكثر إلى الأوروبيين ويريد تقليدهم، في جميع النواحي وحتى في الماركسية. لا يعني ذلك أن أحدنا معفي من أن يقرأ فلسفة غربية، فهذا جزء من العالم الحي، والفكر من أجمل ما لدى الإنسان لأنه لا يعرف حدوداً بين اللغات، طالما تواجدت الحرية يبقى الفكر، ومتى أُلغيت الحرية ينتقل الفكر من بلد إلى آخر، وإلى لغة أخرى. كما كان الحال في بعض المدن الإسلامية حين كانت مراكز للحرية، فتطور الأدب والفكر، وحين قُمعت الحرية ترك الفكرُ البلاد وذهب وبرز في أماكن أخرى. حال الفقراء عندنا هو كما أخبرني مرة يوسف شاهين بأنّ الفلاح المصري لم يعد يعرف أيهما الفلاح الأصيل، الذي في السينما أم الذي في أرضه. هنالك تغريب، حتى في اللغة، فاللغة قواعد تُدرّس، لكنها أساساً وسيلة للتعبير والتحرك، وليس هنالك لغة لا تتطور، فالعربية بدأت تبرز وتسيطر تدريجياً في القرن الثالث الميلادي بسبب أفول اللغة الآرامية، لو كان لدينا أجواء الحرية لخرج من يقول بأن من أجمل ما كان لدينا هي اللغة الآرامية، وذلك لأنّها لم تسيطر على أحد، لم تكن لغة سلطة، لكن جمالها وقربها للناس هو ما جعلها منتشرة.

– بخصوص مكان اللغة في الحياة وعلاقتها بالجهة المسيطرة، إن نقلنا ذلك إلى السينما، ما هي اللغة المسيطرة بحكم العلاقات؟

– في المدن القديمة في فلسطين وسوريا والعراق، عندما ولدت الكتابة، صار هنالك إدراك بأن هذه أداة سيطرة كبيرة، فولد ثلاثة أنظمة هي الكتابة والسلطة والدين، والثلاثة تحالفوا معاً، الكهنة لديهم سر الكتابة ويحميهم الحاكم. اليوم لم يتغير شيء، هنالك الحاكم وهنالك الكهنة من شيوخ ورجال دين، وهم الوسيط والمسيطرون على الكتابة، وهنالك الجامعات والمدارس، هذه أدوات سلطة، على السينما وغيرها. هنالك السينما الأمريكية التي تفرض ذاتها من خلال أدواتها، وعلاقتها بالسينمات الأخرى هي كعلاقة رأس المال بالثقافات الإفريقية والآسيوية كما ذكرت قبل قليل، يأتي ليأخذ منك المواهب ويعيد إنتاجها لتصنيع المال، ويخاطبون الغرائز الإنسانية، الخوف والجنس، وكلّه بشكل بدائي.

– بشكل قد يعيق تشغيل الفكر؟

– لا وقت لديك أصلاً، سياق السينما في الفيلم الأمريكي لا يسمح لك بالوقت. جرّب مثلاً أن تشاهد فيلماً دون صوت، ستجد أنّه هش، أمّا مع الصوت العالي والمؤثرات فسينجذب المُشاهد.

– هل يمكننا وضع ضمن هذا السياق الأفلام الأوروبيّة التي تخرج باللغة الإنكليزية، وقد كثرت مؤخراً؟

– نعم، مفردات السينما الأمريكية هي المسيطرة. وهنالك إشكالية السوق. لنأخذ عنصراً آخر من الثقافة العالمية كالموسيقى، الجميع يسمع موسيقى أمريكية وإنكليزية، وأساساً التداخل بين انكلترا وأمريكا موسيقياً وسينمائياً لا يسمح بالتفريق بينهما بشكل واضح، فلندن خطّ من الخطوط الأساسية للرأسمالية الأمريكية.

– أين يمكن تلمّس ما قلتَه بخصوص ثقافة الفقراء وبخصوص السيطرة فيما يخص فيلمك «عرس في الجليل» الذي شاهدناه أمس؟

– منعت السلطات العربية عرض الفيلم بسبب مشاهد العري، قلت لأحد المسؤولين في واحدة من هذه السلطات مرة بأن لديك الإمكانية لأن تذهب إلى الريفييرا وغيرها، فلم لا تدعون الفقراء يشاهدون جمالاً في السينما، بما في ذلك العري. أولاً أعتز بأني أنجزت فيلماً كهذا، وكان ذلك في 1987 وهو يُعرض حتى الآن. بالنسبة للمشاهدين أمس فقد شاهدوه كما لو كان أُنتج اليوم. لكن السلطات تقدّم المسألة الأخلاقية كما يرونها هم، تقدّمها على المسألة الإبداعية، وهذه مشكلتنا، الأخلاق عندنا سد منيع ضد تحرير الطاقات الإبداعية عند الجماهير. والجماهير هذه تجد فيها من يقمع نفسه دون أن يفهم أن الحرية أساسية لهم هم قبل غيرهم، وقد كتب نيتشه عن ذلك بأنه حين تكون لديك شهوة ستخاف منها فتقمعها وطالما أنك لا تستطيع مواصلة قمعها لأنك تدخل بذلك في عملية تهديم الذات فتسلمها لسلطة خارجية لتقوم هي بعملية القمع.

– يعيدنا ذلك إلى مسألة التحالف بين الدين والسياسة وتبادل الأدوار بينهما.

– صحيح، وهي جدلية تذويب الذات وجلدها، فيفضل الإنسان العربي أن يعذب نفسه، والدين يأتي كتبرير لذلك، فيبقون بعيدين عن مسائل كالحب والجسد، وندخل في عملية غامضة تدخلنا أخيراً في العنف.

– في أجواء كهذه، كيف يمكننا أن ننقل في فيلم حكاية من حكايات الفلسطينيين كما هي في «عرس في الجليل»، إلى أي مدى يمكننا جعله متوافقاً مع شروط فنية وتحررية يملكها المخرج ويرفض فرضها عليه من الخارج؟

– بالنسبة لي، إن تواجد هنالك إطار وطني أو تجاري أو اجتماعي ليُفرض علي فلا آخذه بعين الاعتبار، وبكل الأحوال ليس هنالك في فلسطين صالات عرض رئيسية. ليس لدي القوانين التي تفرض علي، فيما يخص التوزيع  وإعادة الإنتاج في نطاق سوق وطني أو محلي، ما أخسره هو فقط أني لم أعد أُعزم لعرض أفلامي، لا مشكلة لدي، والتلفزيونات لا تعرض الأفلام، لا مشكلة كذلك.

– ماذا تفعل، تعتمد على العرض في الصالات الأوروبية؟

– لا أعتمد على أحد. في تاريخ السينما السوفييتية، المخرجون المعارضون كان همهم الوحيد أن ينجزوا أفلامهم، والتاريخ هو ما سيتكفل بعرضها، وهذا حال أفلامي، إن عُرضت كما هي، جيّد. وإن لا، سيأتي وقتها، بعد مائة سنة أو مائتين. حين يرغب أحدهم بمشاهدة حياة الفلسطينيين في زمن معين سيشاهدون هذه الأفلام. مثلاً فيلم «حكاية الجواهر الثلاث»، إن أراد الجيل الحالي في غزة معرفة حال أهلهم في التسعينيات، سيكون ذلك من خلال الفيلم. وكذلك في «عرس في الجليل»، فإن وضعت الكاميرا الآن في مواقع التصوير ذاتها ستجد أن البلد كلّها تغيّرت، صارت مستعمرات. الفيلم هو وثيقة تاريخية بهذا المعنى. وإن أردت ربط نفسي بأي سلطة أفقد حرّيتي. لي الحق في التفكير بحريّة.

– وخاصة العمل الفني، فما قيمته عندما يكون من يبدعه يحمل قيوداً داخل رأسه؟

– هنالك من يحمل هذه القيود. لكن هنالك مثلاً ما يُسمى بالفن الخام، والذي ظهر في آخر القرن التاسع عشر في أحد المستشفيات للأمراض النفسية، أحد المرضى هناك كان عنيفاً جداً فوُضع في زنزانة من خشب، فصار ينقر على الجدران وصنع لوحات، فأعطوه أوراقاً ليرسم، فخرج من ذلك بفن رائع صار أسلوباً فنياً الآن واسمه الفن الخام. فإن كان للمريض الحق في التعبير عن ذاته وبحريّة فكيف لا يكون لنا ذلك أيضاً، هل من الضروري أن نصاب بالجنون ليكون لدينا الحق!

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s