سينما
اكتب تعليقُا

«سوفراجيت». كفاح النساء غير السلمي لنيل حقوقهن المدنية

★★★★★ 

ليست الحقوق المدنية مُنالة بوسائل تكون حصراً مدنية وسلميّة. هذا هو الحال على الأقل فيما يخص حق النّساء في التصويت، والحديث هنا عن أكثر من مائة سنة من الآن، وفي بريطانيا، والحديث تحديداً عن اتّحاد نسائي علني في وجوده وسرّي في بعض أنشطته، اسمه «سوفراجيت»، وهو اسم الفيلم البريطاني (Suffragette) الذي أخرجته سارة غافرون وافتتح مهرجان لندن السينمائي الشهر الفائت.

الفيلم، إنتاج بريطاني فرنسي مشترك، ينقل سير تطوّر هذه الحركة ونضالها من السلمية إلى العنف لنيل حقوق مدنيّة للنساء، لم تكن المطالب بحقوق متساوية مع الرّجال بل فقط بحقّ النساء في التصويت، في لندن في 1912، لكنّ الفيلم كذلك، ومن خلال السياق التاريخي والاجتماعي الذي تمر به أحداثه، ينقل المحرّضات لهذا الانتقال، أو المبررات الطبيعية له في مجتمع وصلت فيه الذكوريّة في التعامل مع النساء حد العبوديّة.

كلّ ذلك يتم روايته من خلال الحكاية الشخصية لمود واتس(كاري موليغان)، وهي شخصيّة روائية غير واقعية ضمن سياق واقعي وتوثيقي يتم نقله روائياً. مود أولاً امرأة وثانياً عاملة، أي أن القضية التي ينقلها الفيلم، أو قضية الاتحاد النّسائي سوفراجيت، لا تخصّ النّساء بالمعنى الجندري فقط، بل تخصّ النّساء العاملات، بنات الطبقات الفقيرة، أو لنقل البروليتاريا النسائية كوننا نحكي عن مجتمع صناعي يشكّل فيه العاملون طبقة واضحة المعالم.

فلا يقتصر اضطهاد مود على المسألة الجندرية، كنعوان لهذا الاضطهاد، والمُمثَّل بالشكل الأكثر مباشرة بزوجها الذي يمنعها، بحق القانون كما قال، من رؤية ابنها لا ليعتني هو به بل ليمنحه لعائلة تتبناه، بل يتعدى الاضطهادُ ذلك إلى حدود مرتبطة بعموم المجتمع والدولة.

لكنّنا أمام تحالف بين ثلاثة أنواع من السلطات: الرجل والدولة ورأسالمال. وإن كان الأول يمثله زوجها، فإنّ الدولة تمثّله الشرطة وبربريتها في التعامل مع النساء الناشطات في هذا الاتحاد، من الضرب إلى الاعتقال إلى التغذية القسرية من خلال الأنف، وهو ما تعرضت له مود. ورأس المال يمثله ربّ عملها في المغسلة. نعرف أن مود عملت هناك منذ كانت صغيرة وفي ظروف استعباديّة وتعرضت كأخريات كثر للعديد من الحوادث والمضايقات، فربّ عملها، الرّجل، تعوّد التحرّش بالعاملات لديه. وطبيعة العلاقات الرأسماليّة في مجتمع صناعي ذكوري في بدايات القرن العشرين، وانسجام هذه الطبيعة مع قوانين الدولة، أدّت لأن تكون ممارساته هذه، بالنسبة له وحتى لنساء خاضعات، حقاً يمارسه بين فينة وأخرى، دون أن تتجرأ إحداهن على الاعتراض كي لا تخسرن عملهن أولاً ولأنّهن يعين صعوبة اختراق التحالف بين الذكورية والدولة ورأسالمال ثانياً.

لكن وعيٌ آخر تواجد في الأنحاء، بين نساء يجتمعن بشكل سري، يخططن لمظاهرات وأساليب احتجاج سلمية، بدأ يجذب إليه نساء كمود التي صوّر الفيلم نقل أساليب الكفاح من السلمية إلى العنف من خلالها، من خلال تدرّج اقتناعها بضرورة التغيير بأساليب غير المناداة بالحقوق عبر اليافطات. في حديث مع إحداهن وفي بداية تفاعلها مع اتحاد النساء، قالت مود لرفيقة لها بأن على الأساليب أن تتكيّف مع القوانين، أن تحترمها، فردّت تلك بأن «كي تحترمي القوانين، لا بد من جعلها جديرة بالاحترام».

لكن العنف الممارس من قبل السلطة، الشرطة من ناحية والرجال في البيوت من ناحية أخرى، يقنع النّساء بالانتقال إلى شكل غير سلمي للكفاح، إلى العنف، لكن ذلك غير المؤذي، غير المسبب لضحايا، وذلك بعدما رفض البرلمان الإنكليزي شهاداتهنّ، وكانت آخر فرصة لهن، التي أُدليت في قضيّة الدفاع عن مطالبهنّ في الحق بالتصويت. تطوّرت الأحداث لتصل إلى قرارهن باتباع وسائل تجبر الحكومة على منحهن هذا الحق، منها كانت وضع عبوات ناسفة في صناديق البريد، وصولاً إلى تفجير منزل رئيس الوزراء بعدما تأكّدن من خلوّه، وأخيراً، وللفت نظر الملك والعالم، قامت إحداهن بعمليّة انتحارية هي القفز إلى مضمار سباق للخيول، أمام الكامرات، ليرتطم حصان مسرع بها ويرديها قتيلة، فتُثار قضيّتهن.

كانت هي الشهيدة الأولى للاتحاد والقضية، وكان هذا ما تخوّفت منه الشرطة، أن يكون لهنّ شهيدة أولى فتأخذ مطالبهن أبعاداً أخرى ووسائل أكثر تهديداً لاستقرار سلطة المجتمع الذكورية.

ينتهي الفيلم بمشاهد أرشيفيّة لمظاهرات السوفراجيت وبلائحة بسنوات نيل النساء حقوقهن في التصويت في العديد من بلدان العالم. الفيلم روائي خيالي توثيقي، يعيد الاعتبار لمجموعة من النساء يعود حزءٌ من الفضل لهن في ما استطعن النّساء اليوم، في 2015، تحقيقه، ويعود كذلك لأسلوب الكفاح غير السلمي الذي اتبعنه في نيل حقوق مدنية.

لكن، رغم ذلك، لم تنل النساء مساواة في الحقوق تامة مع الرجل، من بين ذلك ما أُثير في حفل الأوسكار الأخير وما تلاه في الصحافة بخصوص تفاوت أجور الممثلين بين النساء والرجال، وكانت الأمريكية ميريل ستريب من بين الفاعلات في إثارة المسألة، وستريب، كذلك، تقوم بدور قصير في الفيلم كرئيسة السوفراجيت.

في القدس العربي

suffragette-2015-movie-poster54656345

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s