سينما
اكتب تعليقُا

«مَلِكي» للفرنسية مايْوين. الحب بين اللذة والألم، ومملكة الحمقى

★★★★ 

ليست قصص الحب (في السينما) متماثلة، وهي لا تتكرر، وإن تماثلت زمانياً ومكانياً وربّما أتت في ظروف متماثلة كذلك. لكنّ الحب وقصّته يُبنيان أساساً على شخصيّتيْه، طرفيْه، كل قصّة هي استثناء عن كل القصص الأخرى، لها فرادتها ولذّتها وألمها، ولها كذلك شغفها الخاص بها، غير المتماثل مع شغف آخرين في قصص أخرى. من هنا يمكن القول أنّ قصة الحب بين جوريجو وتوني في فيلم «مَلِكي» (Mon roi) استثنائيّة.

لكن في هذه القصّة تحديداً، وهي ممتدة زمنياً لأكثر من عشرة أعوام، ما هو أكثر مما قد نراه في قصص أخرى تبقى محصورة ضمن «الرومانس»، فيها لحظات جميلة إنّما لا تصل حد اللذة وفيها لحظات بشعة لا تصل حد الألم. في «مَلِكي» القصة تتخطى حدودها لتصير ملحمة قصيرة موضوعها الحب ومحصورة بين طرفيْه، و «الرومانس» يتحوّل فيه إلى «باسيون»، أو «شغف» بالعربيّة.

في الفيلم خطّان زمنيان، أوّلهما هو الحاضر الذي تعيشه بطلته توني والثاني هو ماضيها الذي تستعيده طوال الفيلم عبر ذكريات (بتقنيّة «فلاشباك») لقصّة الحب التي عاشتها مع جورجيو. فيكون الفيلم من أوّله مُصوّراً بمشاهد متتابعة، مرّة من حاضر توني ومرّة من ماضيها، إلى أن يأتي المشهد الأخير حيث يلتقي الخطّان الزمنيّان، فيكون مشهداً مكمِّلاً لكليهما.

تُشكّل هذه التقنية في السينما تحدّياً للمُخرج لأنّ واحداً من الخطّان الزّمنيان قد لا يكون، درامياً، بمستوى الآخر، فينجذب المُشاهد لواحد منهما دون الآخر ويجد تفاوتاً بين مَشاهده. لكن «مَلِكي» تخطّى ذلك بتصوير مرحلتيْن حياتيّتيْن مترابطتيْن للبطلة، وبتركيز تام على الذكريات التي رسمت الخط الدرامي والأحداث للفيلم، فكانت حكاية الفيلم ذكريات توني وليس حاضرها الذي كان ما ظنناه مرحلة حياتيّة جديدة لها تتحرّر فيها من حبيبها جورجيو.

الفيلم مُتقن، درامياً وسينماتوغرافياً، وسيكون من العلامات المميزة لمخرجته الفرنسية مايوين، يُضاف إلى علامة أخرى هي فيلمها «بوليس» الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان عام 2011. و «مَلِكي» نافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان لهذا العام ونالت بطلته السعفة الذهبية بجدارة، عن أفضل ممثلة.

وبطلته، مؤدّية دور توني، هي إمانويل بيركو، الممثلة والمخرجة، التي مثّلت كذلك في فيلم «بوليس»، والتي كان فيلم الافتتاح في مهرجان كان أخيراً من إخراجها وهو «رأس مرفوعة». أمّا بطله فكان فانسان كاسل، مثّل أخيراً في «حكاية الحكايات»، إضافة إلى لوي غاريل الذي لعب دور أخيها، ومثّل أخيراً في «الصديقان».

يبدأ الفيلم بإصابة توني أثناء التزلّج، فتنتقل إلى مركز للعلاج الفيزيائي حيث تبقى لفترة تتذكّر فيها علاقتها بجورجيو منذ تعرّفا على بعضيهما إلى الفترة الأخيرة قبل إصابتها، ما مدّته عشر سنين. في المركز تبني صداقات مع شباب يصغرونها بشكل واضح ومن تنوّع عرقي ينعكس على مزاحهم وأحاديثهم التي يشاركونها إياها، دون أن يُخرجها ذلك من الاستعادة المتكررة لذكرياتها المرفقة دائماً مع آلام الركبة كلّما تقدّمت ذكرياتها زمنياً منتقلة من لذّة العلاقة في أوّلها إلى ألمها المتزايد كلّما اقتربت بذكرياتها.

تلتقي توني بجورجيو في ناد ليلي، هي محامية وهو يدير مطعماً، تتقدّم إليه وترشّه بالماء بأصابعها، مذكّرة إياه بيوم أتاها وكانت طالبة وتعمل في النادي الليلي ذاته ورشّها، ممازحاً، بالماء. يخرجان من النادي ويمضيان الليل حتى الصّباح في بيته على طاولة المطبخ يتحدّثان. تمرّ علاقتهما بفترة كل ما حولهما يسبّب لهما الفرح. يتزوّجان، تنتظر طفلاً منه، يزداد الفرح في حياتهما إلى أن يبدأ هو بانشغاله بصديقته السابقة التي تحاول الانتحار حين تعرف أن توني حاملٌ بابن جورجيو. يغيب عن بيته كثيراً، ينام خارجاً، تراه مع امرأة على سريره، تتحمّله إلى درجة لا تطيقها فتتركه لتعود في اليوم التالي وتعتذر، هي، عن تركها له.

وكوننا هنا أمام وجهة نظر توني للقصّة، نتلقاها من خلال ذكرياتها هي. هنالك الكثير مما يقوله جورجو لا نعرف مدى صدقه، إنّما نكون أكيدين تماماً مما تقوله توني، الصّادقة والتّي، كما رأيناها، أحبّت جورجيو بشغف لم يكن يستحقه، ولم يبادلها إياه، سامحته كثيراً وعادت إليه في وقت كان من المفترض أنّه هو من يطلب منها السّماح ويعود إليها.

وكوننا أمام رؤية توني لما حصل بينهما، فلا يعني ذلك أنّ رؤية موضوعية للحكاية ستختلف كثيراً، فشخصيّة جورجيو تُلائم تماماً تصرّفاته وأقواله وأخيراً عدم أهليّته لتوني، وللحب الذي قدّمته له، دون أن يتوقّف هو عن التصرّف كالأحمق، تصرّف أضاف ضحكاً كثيراً على كلّ حال، في حالتَي فرحهما وخصامهما. وذلك إلى المشهد الأخير حيث كانت كما دائماً المُبادرة وحيث كان، كما في معظم زمن الفيلم، أحمقاً وغير جدير بها.

بعد الممارسة الأولى للحب بينهما تسأله ممازحة إن كان أحمق، يجيبها بأنه ليس أحمق، بل أنّه ملك الحمقى، مجيباً بين الجد والمزاح. وإن أخذنا عنوان الفيلم في هذا السّياق، وكون الفيلم ينطق بلسان توني، فيكون جورجيو «مَلِكها» وتكون هي حمقاء. وبإسقاط ذلك على العلاقة الشغوفة بينهما، أو الشغوفة من ناحيتها هي تجاهه وليس هو، سيكون الحب، أو الشغف كمرحلة عليا منه، حمقاً. أتذكّر هنا واحدة من سونيتات الشاعر الإنكليزي ويليام شيكسبير (رقم 137) يقول فيها: «أيها الحمق الأعمى، الحب، ما الذي تفعله بعينيّ اللتين تنظران ولا تريان ما تريانه؟»

أخيراً، تخرج توني من المركز وتزور مدرسة ابنهما وتطّلع على رسوماته، يدخل جورجيو، لم تكن موجودة بالنّسبة له، لم يسلّم عليها، بقيت تنظر إليه دون أن ينتبه، حاولت أن تبتسم له، كانت مرتدية السّاعة التي أهداها إياها يوماً، رآها في يدها ولم يكترث. خرج وبقيت هي تنظر دون أن ترى ما يجب أن تراه. كان أحمق بطريقة ما، وكانت حمقاء بطريقة مختلفة تماماً.

في القدس العربي

MonRoi3456354645

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s