سينما
اكتب تعليقُا

الخفّة المُستساغة في الأفلام. دي نيرو وهاثواي في «المتدرّب»

★★★★★ 

هل يمكن أن يقوم الفيلم على البطولة؟ على الممثلين لشخصيّاته الرئيسية؟ يمكن الإجابة بالإيجاب لكن بحذر، لأنّ هنالك دائماً حدوداً دنيا من معايير صناعة الفيلم الجيّد يتطلّبها الفيلم بغض النظر عن الممثلين فيه، كونه نتاج مخرجه وكاتبه. لكن على افتراض أن الحدود الدنيا هذه متوفّرة، هل يمكن أن يكون أداء الممثلين أفضل ما في الفيلم؟ بحذر أقل أقول نعم.

هذا هو الحال مع فيلم «المتدرّب» (The Intern) للمخرجة الأمريكية نانسي مييرز، والتي يأتي فيلمها هذا متوافقاً مع خطّها الإخراجي العام، وهو الكوميديا الخفيفة، التّجارية، أي المتطلّعة إلى صندوق التّذاكر وعائداته وليس المهرجانات وجوائزها. لكن الخفّة في أفلامها ممتعة، كما أحياناً يكون الثقل في الأفلام مضجراً، وغالباً ما تحوي أفلامها أسماء جاذبة للجمهور، ككيت وينسلت وجود لو في «الإجازة»، وميريل ستريب وأليك بالدوين في «إنّها معقّدة»، وجاك نيكلسون وديان كيتن في «شيء ما سيعطي»، وميل جيبسون في «ما تريده النّساء». في فيلمها الأخير المعروض حالياً في الصالات، لا نشاهد ما هو مختلف عن سياق الأفلام المذكورة، كوميديا خفيفة من تلك التي ترخي الأعصاب، تعتمد أساساً على أسماء جاذبة. وهنا لدينا روبيرت دي نيرو، أحد أهم الممثلين حالياً، وآن هاثواي إحدى أفضل، وربّما أجمل، الممثلات الشابات في أمريكا حالياً.

إذن ليس توصيف الفيلم بالخفّة ذمّاً له في هذه الحالة. أمّا إن لم نكن نتوقّع من روبيرت دي نيرو غير أدوار كما في «سائق التاكسي» (1976)، أحد أفضل الأفلام التي تصوّر الحالة السيكولوجيّة لشخصيّته الرئيسية، والذي أخرجه مارتين سكورسيز أحد، كذلك، أفضل المخرجين على قيد الحياة، إن لم نتوقع من دي نيرو أو لم نقبل منه أعمالاً أقل من ذلك فهذه مشكلتنا نحن، كمشاهدين. أمّا خارج مشاكل بعضنا هذه، يأتي دوره الأخير في «المتدرّب».

لكن، في الفيلم ما يميّزه، فهو برأيي لم ينزل عن الحدود الدنيا التي تسمح لي ولآخرين بدخول الصالة لمشاهدته، هو أولاً، وهذا من أهم ما فيه، لم يحوِ على علاقة رومانسيّة بين بطليْه، فلسنا هنا أمام أفلام الرومانتيك-كوميدي وكليشيهاتها، والتي لا تفعل غير تكرار نفسها. لم تمر لحظة في الفيلم تلمّح لعلاقة عاطفيّة بين بطلي الفيلم، فيه إذن بعض الاختلاف عن السّائد كوميدياً.

لا حبكة ولا حكاية جادة في الفيلم، ولكن طبيعته قد تجعل مخرجته  (وهي كذلك كاتبته) تستسهل ذلك، فلم تكن هنالك أحداث تشكّل انعطافات في ما يحكيه الفيلم، ومعظم ما فيه لم يخرج عن المتوقّع، وهذه من نقاط الضعف في الفيلم الذي، لذلك ربّما، ركّز معظم نقاط قوّته في كل من دي نيرو وهاثواي وأدائهما الممتع.

بِن (دي نيرو)، رجل متقاعد ووحيد يجد إعلاناً لشركة حديثة، هي موقع الكتروني متخصص في الأزياء، تطلب متدرّبين فوق الخامسة والستين من أعمارهم، فيقدّم لهم ملفّه ويقبلونه. من البداية يتّضح التجاور والتناقض بين الجيلين، وهذه موضوعة الفيلم الرئيسية. يتم فرز بِن ليتدرّب لدى جول (هاثواي)، مديرة الشركة. تنشأ بينهما صداقة هي أقرب لعلاقة الأبوّة منها للزمالة أو للعلاقة التقليديّة بين موظّف ومديره. يُكثر الفيلم من إلقاء الضوء على الفجوة الجيليّة والتقنية بين جيليْهما، من إصراره على ارتداء بدلة وربطة عنق في حين أن الباقين يرتدون ملابس مريحة، إلى موبايله العتيق وآلة الحاسبة ودفتر الأجندة والسّاعة وكل ما يفرشه على مكتبه مثيراً بذلك غرابة زملائه الشّباب، مروراً بالتزامه وولائه التقليدي لوظيفته ومهامه. وبِن كان يعمل قبل سنوات طويلة في المبنى ذاته حين كان مطبعة لدليل الهاتف الأصفر.

ما دون تلك العلاقة بين الاثنيْن، باقي المشاهد ستكون ثانويّة، ستكون في بعضها مُقحَمة لإملاء نقص في الحكاية، في سير تطوّر الأحداث، وهذا الضّعف يخصّ السيناريو الذي، كما بدا، لم يولِ اهتماماً بحكاية تشدّ المُشاهد بتتابع أحداثها وارتباطها ببعضها، فقد بدت بعضها منفصلة، لا تقدّم تبريراً لما قبلها أو بعدها، أمّا الحوارات فحاولت كاتبتها حشوها بكل المفردات الحديثة، بشكل مفرط، كالفيسبوك والسكايب والإباي…

الفيلم هادئ، مُسالم، فيلم عائلة إن أمكن القول، لا يحتاج لمجهود ذهني لمشاهدته، وهذه قد تكون ميزة إن تخلّلت مشاهدات أخرى لأفلام مُرهقة، عاطفياً وذهنياً. لا شعور سلبي يرافق مشاهدة الفيلم ولا شخصيّة شريرة فيه. قد يأخذ البعض على دي نيرو دوراً خفيفاً كهذا، لكنّي شخصياً أردت أن أراه في دور خفيف أستمتع فيه بأدائه، لأنّ الأداء جزءٌ من الشخصية، جزء من تركيبتها التي تخرج عن سيطرة الكاتب والمخرج مهما حاولا، وتخصّ فقط الممثل. من لم يُعجب مبسقاً بدي نيرو وهاثواي سيُعجب بهما هنا، ومن كان مُعجباً بهما من قبل سيستمتع بأدائهما معاً هنا. هنالك دائماً أوقات لأفلام كهذه، لمن أراد استرخاءاً ذهنياً لساعتيْن.

في القدس العربي

intern2015567657654

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s