استعادة, سينما
اكتب تعليقُا

«شباب» للإيطالي باولو سورّنتينو. رؤيتان مختلفتان للزّمن

★★★★

وإن كان اسم الفيلم «شباب»، إلا أنّ الشّباب فيه نراه من خلال بطلَي الفيلم، صديقان تخطّيا الثمانين من عمرهما، نعرف عن الشّباب من خلال ذكرياتهما وتعليقاتهما على حياتهما الحاليّة، بعدما فصل بينهم وبين الشّباب زمن، وكذلك على حيوات شباب يشاكرونهما الإقامة في المنتجع السويسري الذي يقضيان فيه كلّ زمن الفيلم (إلا مَشاهده الأخيرة).

يبدأ الفيلم الذي كتبه وأخرجه الإيطالي باولو سورّنتينو بحديث لمبعوث من قصر بكنجهام مع موسيقار متقاعد هو فريد بالينجر (مايكل كين) يحاول فيه إقناعه بأن يؤدّى كمايتسرو واحدة من مقطوعاته أمام الملكة إليزابيث، يرفض بالينجر بإصرار ويرفض ذكر السّبب، وهذه إشارة باكرة إلى مجدٍ موسيقي حقّقه شاباً ولم يُعرف جيداً بما لحقه بعد ذلك.

من هذا المشهد الافتتاحي تبدأ حوارات الفيلم وتفاعلات شخصيّاته دون أن يحوي لا حكاية رئيسيّة ولا حتّى حكايات فرعية يمكن مراكمتها للخروج بحبكة، وبفيلم مدّته ساعتان، ويكون ممتعاً دون أن يحوي حكاية تتصاعد أو تتطوّر، يمكن القول أنّ سورّنتينو خرج هذه السّنة بفيلم بمستوى ليس أقلّ مما حققه في فيلمه «الجمال الكبير» الذي عُرض في مهرجانَي كان وتورونتو قبل سنتيْن والذي نال جوائز الأوسكار والغولدن غلوب والبافتا عن فئة أفضل فيلم أجنبي في جميعها.

هنا، في «شباب»، وإن لم ينل (بعد؟) كل تلك الجوائز، إلا أن الفيلم المشارك في مهرجانَي كان وتورونتو لهذا العام، حافظ على حدود دُنيا لجماليّة سينمائيّة في النّص والصّورة، زاد من صعوبة تحقيقها فقدان الحكاية وطول مدّة الفيلم، ساعتان تقريباً.

يمضي بالينجر وصديقه، وهو مخرج سينمائي (هارفي كايتل) المسنّان زمن الفيلم في منتجع سويسري، في غرفه وفي الغابات والجبال خارجه، يتحدّثان عن همومهما وهما في عمر كهذه، كأن يتبوّل أحدهما ثلاث أو أربع قطرات يومياً، أو أن يضطرا للنوم باكراً، وإن أرادا تغيير الحديث فيكون عن ذكرياتهما، حين كانا في عمر الشّباب، عن النّساء في حياتهما، وعن عمليْهما. أحدهما موسيقي والآخر مخرج سينمائي، وكلٌّ منهما يمثّل أسلوباً فنّياً، أو شخصيّة، مختلفة عن الآخر.

الموسيقي أقرب للحياة المنظّمة، يخضع لجلسات مسّاج ولفحوصات طبيّة تُظهر أنّ هاجسه الصحّي لا مبرر له، بالكاد يبتسم، أحاديثه موزونه، ملابسه رسميّة، علاقاته مع النّساء لم تكن متعدّدة، عنيد، ومتقاعد. أمّا المخرج، فأحاديثه أكثر عفوية تتخلّل معظمَها الشتائم، ملابسه مريحة وخفيفة، عاطفي، له تجارب مع النّساء، لا يكترث إن بدأ ينسى مراحل من حياته، يعمل على فيلم يتشارك في نصّه مع كتّاب شباب، مزوح، ولا يجد سبباً للتوقف عن العمل.

في الفيلم شخصيّات تحيط بالصّديقيْن، تمنع عن الفيلم الملل الذي قد تتسبّب به أحاديثهما، وإن كانت ذكيّة وجاذبة وساخرة. ومن هذه الشّخصيات لاعب كرة قدم أشبه بالأرجنتيني ديغو مارادونا، يعاني من السمنة المفرطة، يتحرّك واسطوانة الأكسجين تُجر خلفه، بالكاد يستطيع المشي، وعلى ظهره وشمٌ كبير لكارل ماركس (بدل وشم تشي غيفارا على كتف مارادونا)، كان وجوده إضافة كاريكاتورية لما يمكن أن يصير عليه المرء في زمن بعيد عن الشّباب، بعدما كان اللاعب الأفضل في العالم، إضافة جانبيّة بعيدة عن الموسيقي والمخرج كونه لم يجمعه مع أي منهما مشهد أو حوار.

لكنّ الفيلم لم يقتصر على موضوعة الشباب والزّمن، إنّما طرح فكرة النّتاجات الفنيّة واضعاً إيّاها بين القديم/المسنّ/الرّصين وبين الحديث/الشاب/الاستهلاكي. فحين يضطر هذا الموسيقي العالمي لإخبار ابنته بهويّة الامرأة التي تركها حبيبها لأجلها قال بأنّها تمارس المهنة الأسوأ، سألت ابنته إن قصدَ الدعارة، فردّ بالنفي قائلا بأنّها نجمة أغاني بوب.

أمّا صديقه المخرج، فتزوره ممثلة (جين فوندا) كانا قد عملا معاً على أحد عشر فيلماً، تزوره في المنتجع لتقول له بأنّها لن تمثّل معه في فيلمه الذي يقوم على كتابته، وكان لها الدّور الرئيسي فيه، قائلة بأنّ أفلامه لا تساوي شيئاً وأنّها تلقّت عرضاً لمسلسل تلفزيوني يمتد لثلاث سنوات سيعود عليها بالمال الكثير، يخبرها بأنّ السينما فنّ وأنّ التلفزيون ليس كذلك، تخبره بأنّ التلفزيون هو المستقبل بل والحاضر كذاك، تهينه هو وفنّه وتخرج.

في مشهد قد يجسّد التّناقض الذي يطرحه الفيلم في موضوعه الرئيسي، نُشاهد ملكة جمال العالم تنزل إلى بركة السّاونا عاريةً تماماً، أمام ناظرَي الصّديقَين المسنَّين، تنزل كأنّ أحدا لا يشاركها البركة، لا يزيحان نظرهما عنها ويبدآن بالتعليق، ومكتفيان بذلك، ومتأسّفان على ذلك، في لقطة كوميديّة كانت من بين الأكثر دلالة في الفيلم.

أجواء الفيلم إيطاليّة، وإن كانت لغته الإنكليزية ومكانه في سويسرا، وبعض التعليقات المذكورة على لسان أيٍّ من الصديقين قد تذكّر ببعض حوارات أفلام فيديريكو فيلّيني (فيلم «8½» مثلاً). وهيئة الموسيقي (النظارات بإطاراتها السّميكة والمانطو والقبّعة) تُذكّر بهيئة مارتشيلّو ماستريوانّي في فيلم فيلّيني المذكور، وغيره، أو ما قد تكبر عليه تلك الهيئة الشابة لماستريوانّي.

لأخذ فكرة عن سينما عالمية راهنة تُعطي للجماليات اعتباراً أساسياً أثناء العمل عليها وتعطي قيمة فنّية للنص والصورة، أو عن سينما إيطاليّة قد تُعيد لبلد روسيليني وبازوليني وأنطونيوني وفيلّيني وآخرين، بعض ألَقها السينمائي، فلسورّنتينو فيلمان هما «شباب» و «الجمال العظيم»، وهي أمثلة جيّدة لذلك.

في القدس العربي

youth4654

Advertisements
This entry was posted in: استعادة،سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s