أدب
اكتب تعليقُا

تشارلز بوكاوسكي، هل من مبرّرٍ للفاء في «بوكوفسكي»؟

قد لا يمضي شهرٌ دون أن نمرّ بمادّة صحافيّة أو أكثر عن الشاعر والرّوائي الأمريكي تشارلز بوكاوسكي (Charles Bukowski) مكتوب فيها، في جميعها ربّما، تشارلز بوكوفسكي، بالفاء. ما يعني أنّها ليست زلّةً في مادة دون غيرها. لكنّ المنشور، كما يبدو، يتّكئ على الترجمات العربيّة، وهذه الأخيرة تكتبه بالفاء، فيتم تبادل الاسم وتعميمه وتثبيته ليصير، عربياً، بوكوفسكي بالفاء، وفقط كذلك.

الاسم الذي تقترحُه، عربياً، هذه الأسطر هو اللّفظ الأمريكي، بوكاوسكي (أو بوكَوسكي)، كما يلفظه هو وكما يكتبه بلغته هو وكما ينادونه أهله وناشروه، وكما يُلفظ لدى متحدّثي اللغة التي يكتب بها. وإن كان من سؤالٍ حول لفظ اسمه بالأمريكيّة فإنّه يخصّ القسم الأوّل منه، أي Buk، وقد مازحَ بوكاوسكي في ذلك مرّةً قائلاً بأنّ اسمه يُلفظ بوك (أو بُكْ)، وليس بَكْ كما في «Fuck».

من أين أتت الفاء، أو الـ ڤ؟ بوكاوسكي ألمانيٌّ أصلاً، والـ W تُلفظ هناك كـ V في الانكليزيّة.

من هنا.

وبالمناسبة، ليس اسمه حتّى تشارلز، ففي الفيلم الوثائقي عنه (من إخراج جون دولغان وشارك في مهرجانَي سندانس ودوفيل عام 2004) تقول زوجته ليندا لي (الصّورة) مشيرة إلى قبره حيث كُتب اسمه كاملاً، بأنّ اسمه هنري تشارلز بوكاوسكي جونيور، ويُنادى بـ هانك بدلَ هنري، اسمه هنري لكنّه اختار «تشارلز بوكاوسكي» كونه أنسبَ ليكون اسم كاتب من «هنري بوكاوسكي».

في السّيرة الذاتيّة الأشمل عن الكاتب، المعنوَنة باسمه، والتي ألّفها باري مايلز (345 صفحة، فيرجين بوكس)، هنالك إشارة إلى أصل الكلمة. ودون الدخول في تفاصيل ليست في صميم موضوعنا، أذكر بأنّ الاسم أتى من، وليس المؤلّف أكيداً، قرية بوكوفسكو على الحدود البولندية، كتبتُها بالفاء تحديداً (وليس الـ ڤ) هنا لأنّها تُلفظ كذلك هناك، لدى أهل القرية وفي لغتهم، وهذا تماماً السّبب الذي يجعلني، في المقابل، أُسقط الفاء (أو الـ ڤ) في لفظ اسم بوكاوسكي، الكاتب الأمريكي.

في الكتاب ذاته نقرأ أن الكاتب وُلد باسمه الألماني هاينريتش كارل بوكوڤسكي (Heinrich Karl Bukowski)، هاينريتش هو الاسم الألماني من هنري، وكارل هو الاسم الألماني من تشارلز، وبوكوڤسكي هو الاسم الألماني من بوكاوسكي. ما نفعله نحن، في العربيّة، هو استعمال النّطق الأمريكي لاسمه هو، تشارلز، والألماني لاسم عائلته، بوكوڤسكي (بل، وأسوأ، حوّلنا الـ ڤ إلى ف).

إمّا أن نستخدم الاسميْن باللفظ الألماني، وهذا ما لا أرى له مبرراً كوننا نتحدّث عن كاتب أمريكي يكتب بالإنكليزيّة ويلفظ اسمه بالإنكليزيّة، وإمّا أن نلفظ الاسميْن، اسمه واسم عائلته، بالإنكليزيّة كما يلفظهما هو، خاصّة وأنّنا قادرون على لفظه، دون عائقٍ نطقيّ، ليست حالنا هنا كحال فرنسي يجهد ليقول محمود درويش فتخرج من فمه مامود داغويش.

وأشير هنا، بالعودة إلى الكتاب ذاته، بأنّ هانْك، أو تشارلز، الطّفل، كانت لغته الأولى هي الألمانيّة، لكنّه سرعان ما نسيها، وقد كافحَ ليُسقط عنه اللهجة الألمانيّة التي كانت تُثقل انكليزيّته، لمِا كانت تعود عليه بالسّخرية من قِبل الأطفال الآخرين في الحيّ. وحالما وصلت أسرته إلى مدينة بالتيمور الأمريكيّة قام الأب، واسمه صار هنري كذلك (لذلك يُقال عن كاتبنا هنري جونيور)، بتغيير أسمائهم إلى الانكليزيّة، فزوجته كاثرين صارت كايت، والطفل الذي سيصير كاتباً، هاينريتش، صار هنري.

بعد كلّ ذلك، هل من مبرّر للفظ اسم عائلته ألمانياً ولفظ اسمه هو انكليزياً؟ وليست المسألة اختصاصاً عربياً، هنالك بعض الفرنسيّين يلفظونه كذلك بالـ ڤ، اللفظ الألماني لكن مع لفظٍ فرنسي لاسمه هو، فلا يقولون تشارلز بل شارل، فيصير اسمه شارل بوكوڤسكي، لكنّ للفرنسيين ميل عام إلى فَرْنَسة الأسماء الأمريكيّة أو الأجنبيّة عموماً، مهما وأينما كانت. وهذا البعض، برأيي، كذلك، مخطئ في ذلك.

أعرف أن هنالك العديد من الأمثلة حيث تنتهي الأسماء بـ «كوڤسكي»، لكنّها، بخلاف بوكاوسكي، تُكتب أساساً بالـ V وتُلفظ، بالتالي، دائماً كذلك، كالرّوائي دوستويڤسكي والسينمائي تاركوڤسكي والشّاعر ماياكوڤسكي والموسيقي تشايكوڤسكي، وجميعهم من روسيا. فتعوّدنا اللّفظ «كوفسكي» وتداخل ذلك، وهو قادم من الأسماء الرّوسيّة، باللفظ الألماني لاسم شاعر أراد منذ صغره التّخلص من اسمه ولكنته الألمانية، وقال للعالم أنّ اسمه بوكاوسكي، وكتب بهذا الاسم الذي لم يلفظه بغير ذلك، في الفيلم الوثائقي الطّويل على الأقل.

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s