سينما
اكتب تعليقُا

«العهد الجديد تماماً» لدوغمايل. الرّب موجود، يعيش في بروكسيل

★★★

«الرّب موجود، يعيش في بروكسل» هو العنوان الفرعي للفيلم الفرنسي البلجيكي اللوكسمبورجي السّاخر، والسريالي في بعض تناولاته إنّما بما يتوافق وموضوعه، حيث الربّ وعلاقته بالدّنيا والنّاس فيها. الفيلم الذي سيزعج الكثير من المؤمنين للحدّة في سخريته، سيثير كذلك، لدى آخرين، أصحاب الإيمان الضّعيف أو الفاقدين له تماماً، ضحكاً للذكاء المسبّب لهذه السخرية، ولربطها بتفاصيل حياتيّة قد نكون مررنا بها جميعنا.

يقوم الربّ في الفيلم، وهو العصبيّ المُصاب بالملل والمهووس بالّلعب بمصائر الناس، وخاصة بالتوافه في حيواتهم، يقوم بكتابة قوانين منها أنّ أحدنا إن وقف منتظراً في طابور من بين طابوريْن، يكون طابوره الأبطأ، وإن وقعت شطيرة المبرّى، تقع على وجهها الدّبق المدهون بالمربّى، وإن انكسرت الصّحون يكون ذلك بعد الانتهاء من عناء جليها وتنشيفها، وغيرها من المعكّرات اليوميّة للناس.

«العهد الجديد تماماً» (أو كُلّيةً)، الفيلم المعروض حالياً في الصالات الفرنسيّة، كان عرضه الأوّل في عروض «أسبوعَي المخرجين» الموازي لمهرجان كان السينمائي، هذه السّنة. أخرجه البلجيكي جاكو فان دوغمايل صاحب عناونين أخرى، مختلفة جداً عن الأجواء السّاخرة لهذا الفيلم إنّما الجيّدة في مواضيعها، طرحاً وتصويراً، منها «اليوم الثامن» الذي ترشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1996، و «السيّد لا أحد» الذي شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2009.

تُنقل لنا الحكاية من خلال صوت ابنة الرّب إيا (بتقنيّة Voice-over)، إضافة إلى المَشاهد المصوّرة، من بداية الفيلم إلى آخره. تحكي لنا عمّا نُشاهده وعمّا سنُشاهده، كهوامش مُرافقة لنصّ الحوارات أو المَشاهد. من البداية نلمس تمرّداً فيها، تحكي بأنّنا نعرف عن ابن الرّب، المسيح واسمه في الفيلم جي سي، لكننا لا نعرف عن ابنته، وهذه هي ابنته.

مختلفة عن شخصيّة المسيح المُسالمة، نرى إيا متمرّدة، تتجرأ أن تواجه أبيها مأنّبة إيّاه لكونه سبب مآسي العالم كلّه فيهجم عليها. تتّفق مع أخيها، الذي تحوّل لأيقونه صغيرة، كعقاب ربّما، تنفض عنها الرّبة (الكوميديّة البلجيكيّة يولاند مورو) الغبار كل يوم، يتّفق إيا وجي سي على تغيير في مصائر العالم للأفضل، فتهرب هي إلى الدنيا، يُخبرها هو بأنّ الطريق إلى الخارج يكون عبر الغسّالة الأوتوماتيكيّة حيث ستدخل في نفق طويل يودي بها إلى غسّالة أخرى في غرفة غسيل عموميّة ومنها إلى الشّارع. قبلها نعرف من الابنة، بأنّ لا أبواب للدخول إلى البيت أو الخروج منه، فقد أحكم أبوها الإغلاق عليهم.

نُشاهد الرّب عنيفاً مع زوجته وابنته، يهينهما كما يستهزئ بابنه وبطيبته، يتسلّى بتأليف مصائب للناس من خلال كمبيوتره العتيق في غرفة بلا سقف مليئة بالأدراج حيث ملفّات الناس جميعهم، يُبقي الغرفة مغلقة حاظراً الدّخول إليها. تُقرّر ابنته تغيير تلك المصائر، وتحرير النّاس من سطوة أبيها من خلال سرقة مفتاح غرفته وإرسال رسائل نصّية إلى هواتف النّاس عبر كمبيوتره، رسائل تشير بدقّة إلى الوقت المتبقي لهم قبل أن يموتوا.

تفعل وتهرب إلى الدّنيا، تلتقي بمتشرّد يرافقها ليدوّن التعاليم الجديدة التي ستُضيفها إلى الكتاب المقدّس، أو العهد الجديد تماماً منه، لتكون حيوات النّاس أكثر إنصافاً، أخذت معها ستّة ملفات عشوائية من غرفة أبيها لأناس لم ينصفهم: فتاة جميلة لكنّها وحيدة ولا حبيب لها، رجل يكره زوجته وابنه لكن يضطر للبقاء معهما، امرأة تعيش حياة ملل وفراغ مع زوجها الغني، آخر لديه عُقد جنسيّة، وآخر يكره وظيفته وولد يريد أن يصير بنتاً، وهي هموم من بين الأكثر تشاركاً وانتشاراً بين النّاس. تلتقي بهم واحداً تلو الآخر لتغيّر مصائرهم.

ردود فعل الناس تختلف حين يعرف كل منهم بموعد موته، وخاصة بعدما ثبت صحّة ودقّة الرسائل، من بين هؤلاء كان السّتة الذين وصلت إليهم ابنة الرب لتُدخل بعض الأمل والفرحة إلى حيواتهم. أدّت كاترين دونوف دور السّيدة التي تعاني من زوجها المشغول دائماً والتي تجد حبّها أخيراً مع غوريلا ضخمة.

ينزل أبوها، الرّب، إلى الدّنيا لاحقاً بها، يخرج من الغسّالة مبلّلاً بالماء والصابون وتبدأ المواقف السّاخرة التي يتعرّض لها، من بينها كان ذهابه إلى كنيسة توزّع الأكل على المتشردين، وهناك يفوت في عراك مع أحدهم قبل أن يفكّ بينهم قسّ في الكنيسة، ثم يفوت في عراك مع القسّ قبل أن يفكّ بينهما المتشرّدون.

ينزل الرّب إلى الدنيا باحثاً عن ابنته لعقابها، تمشي هي على الماء هاربة منه، يلحقها فيسقط، يستمر بؤس حظّه، أو قدره، إلى أن يتم الإمساك به أخيراً، وطبعاً لا أوراق رسميّة له، فيتم ترحيله إلى أوزباكستان ليعمل هناك في تصنيع الغسّالات، وتنتصر عليه، بشكل من الأشكال، ابنته المتمرّدة، أو بتحالفها مع ابنه المسيح.

الفيلم مليئ باللقطات السّاخرة والذّكية، إن كان شكلاً، في تصوير هيئة الرب وسلوكه وردود فعله (قام بدوره الكوميدي البلجيكي بونوا بولفورد)، أو مضموناً في أسلوب الحكاية ونصوص الحوارات. من بين المَشاهد السّاخرة تلك في نهايات الفيلم، كانت للمتشرّد، مدوّن العهد الجديد تماماً، حسب ابنة الرّب، وهو ببدلة رسميّة، جالساً إلى طاولة مليئة بكتب بأغلفة بيضاء، الكتاب المقدّس الجديد، مبتسم وبيده قلم ليسلّم للناس نسخاً موقَّعة من مؤَلَّفه الجديد.

لم تكن فقط حكاية الفيلم مشغولة جيّداً، بل التّصوير واستخدامات الإضاءات والألوان في أمكنة التصوير، كبَيت الرّب المعتم غالباً والكئيب، وأمكنة النّاس الملوّنة والزّاهية، كانت كلّها مشغولة بشكل ملفتٍ، جعل للسخرية المتضمنة في الفيلم بُعداً جمالياً، وجعل للمَشاهد السريالية سياقاً كانت فيه إضافةً ليست غرائبيّة للفيلم وموضوعه وحكايته.

letout032497504239

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s