استعادة, سينما
اكتب تعليقُا

«ديبان» لجاك أوديار. أزمات لاجئ في الضّواحي الباريسيّة

★★★★★

قد يرى البعضُ الفيلمَ الفرنسي «ديبان» معنياً أساساً بأحوال اللاجئين السّياسيين في فرنسا، وهذا صحيح إلى حدّ ما، إلا أن الفيلم الحائز على السعفة الذهبية طرح، إضافة إلى ذلك بل وقبله، حالة الضواحي المهمّشة للعاصمة الفرنسية، التي سكن في أحد بيوتها لاجئ آتٍ من سريلانكا.

والسّبب أنّ محرّضات الأحداث في الفيلم كانت مرتبطة بشكل أساسي بأحد أحياء تلك الضّواحي، والتي تسيطر عليه بشكل من الأشكال عصابة محلية تتاجر بالمخدّرات وأفرادها مسلّحون ومن أصول مهاجرة أغلبها مغاربيّة، أكثر مما كانت مرتبطة باللاجئ السريلانكي الجديد والمُسالم والذي سيواجه، إضافة إلى مشاكله الاقتصادية والثقافية واللغوية كلاجئ، مشاكل اجتماعية تخصّ الحيّ الذي يسكن فيه.

لم تحوِ حكاية الفيلم في نصفها الأوّل أحداثاً يمكن الانعطاف بها إلى حبكة رئيسية إلا بالقدر الذي يرتبط ذلك بالمكان الذي تواجد ديبان، وامرأته وفتاته، أنفسهم فيه. كان سرداً ليوميّات لاجئ جديد إلى فرنسا، ثم إلى ضاحية فرنسية. ما يواجهه من صعوبات يتشارك فيها مع لاجئين آخرين، إلى أن دخل في نمط الحياة الخاصة بالضّواحي، وبصعوباتها، لتبدأ الأحداث بالتواتر لا لكونه لاجئاً إنّما لكونه أحد سكّان هذا الحي.

ومسألة الضّواحي تمّ طرحها في العديد من الأفلام قد يكون أكثرها تأثيراً فيلم «الكره» الذي أخرجه الفرنسي ماتيو كاسوفيت عام 1995، وقام ببطولته فانسان كاسل (وقد أشار كاسل إلى ضرورة العمل على جزء ثان له إثر أحداث شارلي إبدو). في «ديبان»، طُرحت المسألة بربطها مع اللجوء السياسي إلى فرنسا التي تُعدّ وجهة أساسية للاجئين أصحاب مبررات ومخاوف لأسباب سياسية، من حروب ونزاعات في بلادهم، ليتم ربطها بمشاكل الضّواحي الاقتصادية والاجتماعية.

بعد أفلام متميّزة للمخرج جاك أوديار كـ «النبضة التي تخطاها قلبي» (2005)، حيث نال جوائز عديدة في حفلَي سيزار وبافتا ومهرجان برلين وغيرها، و «نبي» (2010) الذي نال جائزة في كان، نال «ديبان» الجائزة السينمائيّة الأكثر اعتباراً عالمياً وهي السعفة الذّهبية لمهرجان كان السينمائي، وقد ارتكز الفيلم على موضوعه وشكله، الدمج غير الإقحامي بين مسألتَي اللجوء والضواحي، وهي مشاكل اجتماعية حاضرة دائماً في فرنسا وتحديداً في السّنوات الأخيرة، ومصوّراً ذلك بتقطيع جماليّ بين المَشاهد، بالنّقل بينها، فكان للمونتاج دوراً فاعلاً في استحقاق الفيلم لجائزته.

تُظهر المَشاهد الأولى مقاتلاً من نمور التاميل يحرق وآخرين القتلى من رفاقه إثر انتهاء الحرب الأهلية بغلبة القوى الحكوميّة، فيبدّل ملابسه العسكريّة بأخرى مدنيّة ويرمي سلاحه في المحرقة. المشرّدون في كلّ مكان، في العراء وفي الخيم، ولا بدّ كي يلجأ عن بلده أن يجد له عائلة، فقام بتدبير امرأة لا يعرفها ركضت لتدبّر هي فتاة لم تعرفها، ليتطابقوا مع جوازات سفر لسريلانكيين موتى، يسافرون بها إلى فرنسا.

يَصلون، غرباء عن بعضهم وعن البلد وعن الحيّ الذي سيسكنونه، بالكاد يكلّم الامرأة التي ستبقى، هي والبنت، على الادعاء ذاته بأنّهما عائلته. يبيع بداية ألعاباً في شوارع باريس وتُلاحقه الشرطة. يُجري مقابلة كطالب لجوء، يُقبل ويُنقل إلى إحدى ضواحي العاصمة، هناك سيعمل كناطور للمبنى، يحرس وينظّف ويصلح ما تعطّل. امرأته تعمل خادمة لدى إحدى العائلات هناك. ابنته ستعاني من مشاكل لاختلاف الثقافات واللغات في مدرستها. مع الوقت ستزيد المشاكل في الحي الذي تسيطر عليه إحدى العصابات المحليّة، تتاجر بالمخدّرات وتتعارك مع غيرها بالمسدّسات، سيجد ديبان نفسه مضطراً للدخول في ذلك فيشتبك مع أحدهم.

في أحد مشاهد الفيلم الملفتة يغامر ديبان، سيصاحبه دائماً اسم السريلانكي الميّت وليس اسمه الحقيقي، يغامر في فترة توتّرات بين العصابة وأخرى، فيخرج ويحدّد المنطقة أمام المبنى حيث يسكن بخطّ أبيض، صارخاً بأفراد العصابة في المبنى مقابله بأنّها منطقة محظورٌ إطلاق النار فيها، في استعادته للحرب الأهلية التي قاتل فيها إلى جانب نمور التاميل والتي أراد التخلص من أجوائها وذكرياتها تماماً في فرنسا، وهو ما صعب عليه وهو يعيش بين عصابات الضواحي وحروبها، ولاحقاً، سيجد نفسه حاملاً مسدّساً مدافعاً عن نفسه وزوجته بعدما حاول جاهداً تفادي ذلك والبدء في حياة جديدة.

الفيلم، المعروض حالياً في الصالات الفرنسية، استطاع الجمع بحذر بين اثنتيْن من تحدّيات الدولة الفرنسية ومشاكلها، الثقافية والاجتماعية والاقتصادية: اللجوء والضّواحي. لم يبدُ أحدهما مُحقماً على الآخر في الفيلم، الوتيرة البطيئة في النصف الأوّل منه كانت ضروريّة للتحضير لما سيتبعها من أحداث ستتسارع كلّما تقدّم الفيلم، لتبدو الأحداث مقنِعة في سياق حكاية هذا اللاجئ الهارب من حروب أهلية إلى معارك محليّة، ليست أي منهما أقل خطراً على حياته من الأخرى.

في القدس العربي

dheepan4356354

Advertisements
This entry was posted in: استعادة،سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s