سينما
اكتب تعليقُا

«الموسم الجميل». حبٌّ بين امرأتيْن جمعتهما المدينة وفرّقهما الرّيف

★★★★★

قد لا يمرّ شهر دون أن تعرض الصالات الفرنسية فيلماً يتناول العلاقات المثليّة، ارتباطاً بالحِراك الحقوقي النّشيط للجمعيّات المعنيّة خلال السنوات الأخيرة وتفاعل الحكومات معها، فرنسياً وأمريكياً وعالمياً. فكثرت الأفلام الفرنسية المتناولة لموضوعة المثليّة، محاولة التنويع في كيفية الطرح وأسلوبه. هنا، في «الموسم الجميل» نجد طرحاً، أو تنويعاً، جديداً ضمن الموضوعة ذاتها، متّخذاً الفيلمُ من مسألتيْ المكان والزّمان عنصراً أساسياً في حكايته.

نال مؤخراً الفيلم الفرنسي البلجيكي «الموسم الجميل» جائزة فاريتي بياتزا الكبرى في مهرجان لوكارنو السينمائي، والجائزة معنيّة بالأفلام التي تجمع بين المعايير الفنيّة وأسباب الجذب إلى صندوق التّذاكر. والفيلم، وإن طرح موضوعاً قد يكون إشكالياً لدى البعض وبتصويرٍ قد يكون العري وممارسة الحب بين امرأتيْن فيه إشكالياً كذلك، إلا أنّه بتجنّب التعقيد فيما يطرحه أو الانجرار إلى الخطابيّة التي تغلّف بعض الأفلام الحاملة لقضايا معيّنة، أمكن له أن يكون جاذباً في صالات السينما وليس في المهرجانات وحسب. والفيلم كذلك، فنّياً، مشغول بشكل ملفت.

إذن لا يطرح الفيلم، وهو من إخراج الفرنسية كاترين كورسيني التي شارك فيلمها «إعادة» في مهرجان كان لعام 2001 وحمل موضوعة المثليّة كذلك، وفيلم «ثلاثة عوالم» الذي شارك في المهرجان ذاته عام 2012، لا يطرح الفيلم المعروض حاليا في الصالات العلاقةَ المثليّة بين امرأتيْن كقضيّة حقوقيّة ما قد يرجّح وقوعه في الخطابيّة، بل يطرحها من خلال علاقة رومناسية، حب وحسب، بين امرأتيْن. فيكون الفيلمُ فيلمَ حب أولاً وثانيا وثالثاً، دون أي تلميح لأي تبرير لهذا الحب الكائن بين امرأتيْن.

دلفين (إيزيا إيجلان)، ابنة ريف في الجنوب الفرنسي، تلتقي سراً وليلاً مع فتاة في القرية، والدها ينصحها من اللقطات الأولى بأن تجد رجلاً تتزوّجه. تقرّر أن تترك القرية وتصعد بالقطار إلى باريس، هناك تتعرّف على ناشطة نسويّة هي كارول (سيسيل دو فراس في أداء متميّز كعادتها). تَجري الأحداث في أوائل السبعينيات حيث نشط الحراك الحقوقي النّسوي. تدخلان في علاقة. تتسبّب دلفين بانفصال كارول عن حبيبها، وهو ناشط يساري، وستنتقل الأخيرة من علاقة «إيتيرو» مع حبيبتها إلى «أومو» مع دلفين. في النّصف الثاني من الفيلم تغادر الامرأتان إلى الرّيف لموسم الحصاد. هناك، تمضيان أسبوعاً تمارسان فيه الحب في غرف البيت وفي الحقول، وتعملان معاً طوال الصّباح، تتفاديان معاً نظرات أهالي القرية المتوجّسة من هذه الغريبة ومن علاقتها بابنة قريتهم. نُشاهد هذا الحبّ في أحاديثهما ونظراتهما وفي كلّ الوقت الذي يمضيانه معاً، إلى أن تراهما أمّ دلفين عاريتيْن تماماً على السرير، هنا يدخل الفيلم في مراحله الأخيرة إذ يبلغ ذروته.

كون كارول ناشطة نسويّة تدير اجتماعات وتُحاضر في رفيقاتها لا يعني أنّها واعية تماماً لمسألة المثليّة، والغريب أنّها ستكتشف بسرعة أنّها كذلك وتبدأ علاقة مع دلفين، قد يبرّر زمان الأحداث (قبل أربعين عاما) ذلك، فردّة فعلها حين باغتتها دلفين بقبلة كانت ابتسامة مستغرِبة وسؤال «ماذا تفعلين»، ما أشعرَ دلفين بالإحراج والغضب، وحين أحسّت كارول بالذّنب حاولت إرضاءها بالقول بأن لديها العديد من الأصدقاء المثليين، لكن سريعاً جداً، ستترك كارول حبيبها وتمضي معظم وقتها مع دلفين.

في ذلك نرى الفصل الواضح بين النّسوية والنّضال لحقوق النّساء في مجتمع تهيمن عليه ذكوريّة الرّجال (في البيت والعمل والدولة)، وهو ما كان همّ كارول الأساسي، وبين المسألة العاطفيّة، أو الحب، بين امرأتيْن بعيداً عن النّضال لحقوق النّساء، وهذا ما جعل الفيلم فيلماً رومانسياً بالدّرجة الأولى وليس اجتماعياً، لإخراج دولفين لكارول من عالمها النّضالي المديني إلى عالم ممتلئ بالحب الرّيفي الساذج ولكن الجميل والنّقي، وسنعرف مع الوقت أنّ الحب هذا لن يكون متحقّقاً إلا في المدينة.

تعيش الامرأتان حياة أكثر علنيّة في باريس، وتضطرّان لتفادي الآخرين في الرّيف، يتّضح ذلك من السبب الذي جعل دلفين أساساً تُغادر إلى باريس وكذلك من خلال يوميات علاقتهما في كل من المكانين، وكذلك في ما سينتهي عليه الفيلم، كارول في المدينة وما تتيحه لها ودلفين في الرّيف وما يحظره عليها.

بخلاف معظم الأفلام التي طرحت المثليّة كقضيّة حقوقيّة، فـ «الموسم الجميل» بعيد عن ذلك، الفيلم يطرح قصّة حب، تحصل أن تكون بين امرأتيْن، وهي، لذلك، تُواجَه بالعنف والهوموفوبيا التي، بعد أربعين عاماً من أحداث الفيلم، ما تزال كما هي، هذا إن لم تزد عنفاً.

في القدس العربي

labell4534636453

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s