سينما
اكتب تعليقُا

الفيلم الإسباني «المستنقع». مجرم يلاحق مجرماً باسم العدالة

★★★★★

يبدأ الفيلم بلقطات مقطعيّة، تبدو السهول والحقول بألوانها المتباينة وأجسامها الدّقيقة كصور مجهريّة. تتحرّك بعض المياه، ثمّ نقاط صغيرة تتّضح لتبدو سيّارات، ندرك أنّ التصوير من السّماء، ننتقل من صورة لأخرى تُدخلنا في طبيعة ملوّنة وزاهية، سنخرج منها لندخل، بلقطات أرضيّة، إلى فندق رخيص ووسخ سيمكث فيه لأيّام مُحقّقان، وتحديداً إلى جرائم بشعة أتيا للتحقيق فيها.

اللّقطات المقطعيّة تلك، ومجمل التصوير في الفيلم حيث تمّت مُلاءمة الألوان مع الفترة الزّمنية لأحداثه، منحت السينماتوغرافر الإسباني ألكس كاتالان جائزة في مهرجان غويا، والفيلم ذاته نال أهمّ جوائز هذا المهرجان، السينمائي الأول في إسبانيا، منها أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص. لتصل مجمل جوائز غويا التي نالها إلى عشر.

يحكي فيلم «المستنقع» (أو بعنوانه الإسباني «الجزيرة الصغرى La isla mínima») عن عمليّة تحقيق في جريمة في مكان ناء في الجنوب الإسباني، وهو بذلك فيلم «نْوار» بنسخة إسبانيّة حديثة، وإن حكت عن السنين القليلة التي تلت حكم الديكتاتور فرانكو، في 1980. فهو تكييف حديث لفيلم «النْوار» مع إسقاطات سياسيّة. يقوم الفيلم على عمليّات التحقيق من أوّله إلى آخره، فلا جرائم تُرتكب خلاله، ولا قتل إلا في المشاهد الأخيرة منه حيث تُفكّ حبكته.

الفيلم من إخراج ألبيرتو رودريغز وبطولة راؤول أريفالو بدور بيدرو، وخافيير غوتيريز بدور خوان. هنالك فصل واضح بين الشّخصيّتين لغاية ستتبيّن في نهاية الفيلم، بيدرو محقّق شاب وهادئ ومُسالم وعائلي وصادق ويساري مناوئ لنظام حكم فرانكو. خوان أكبر سنا، عنيف وفاسد ويمضي ليالي مع بائعات هوى وموالٍ لنظام فرانكو، وله تاريخ أسود في عمله ضمن جهاز الشرطة خلال الحكم الديكتاتوري.

يضطر المحقّقان للتعاون فيما بينهما للكشف عن مرتكب الجريمة، وهي هنا خطف لشقيقتيْن وتعذيبهنّ بشكل سادي واغتصابهن قبل قتلهن ثمّ تشويههن ورميهن في النهر. القرية صغيرة ومحافظة وما يحاوله والد الشقيقتين هو لملمة الموضوع كون الجريمة مرتبطة بممارسات جنسيّة لهما مع مرتكب الجريمة، وقد تم تصويرهما في أوضاع مخلّة وتمّ تهديدهما بها. خلال الفيلم تتعرض زميلة لهما في المدرسة لتهديدات مماثلة. يحقّقان معها ومع آخرين ويحاولان تجميع وربط ما يتوصّلان إليه وتوزيع شكوكهما حتى المَشاهد الأخيرة من الفيلم.

الحوار ليس أساسياً هنا، والحبكة كان يمكن أن تكون أكثر إحكاماً. في فيلم تحقيقات كهذا قد لا تكون الحوارات بحدّ ذاتها أساسيّة إنّما الحبكة والإقناع بها، الإقناع بالعُقد التي على المحقّقيْن حلّها وربطها ليصلان إلى المجرم، هي أساسية في تطوّر أحداث فيلم «النْوار»، لكن، وإن كنّا أمام فيلم تحقيقات أساسه الحبكة الجيّدة، ففي هذا الفيلم تحديداً، لم تكن قدرة المجرم على الفلتان أو المحقّقيْن على إمساكه، لم تكن الغاية الأساسيّة من الفيلم، وإن كانت الخطّ العام لتطوّره.

الفكرة الأساسيّة للفيلم كانت الثنائية، تجاور المحققيْن، اليساري واليميني، المناهض للفاشية والمؤيد لها، المعترض على التحقيق بالضرب والممارس لها، الشاب والكهل، الجديد والقديم، الديكتاتورية والديمقراطية، أمس وغداً، من يتّصل بزوجته الحامل ومن يلاحق بائعات الهوى. تتكاثر هذه الثنائيات حتى نصل إلى مشهد يُثبت فيه مصوّر صحافي لبيدرو، المحقق اليساري، بالصور أن زميله خوان قد شارك في عمليات قتل في الشارع وتعذيب في أقبية التحقيق لمعارضين لحكم فرانكو، لم يكن يعرف أو يصدّق بيدرو ذلك حتى شاهده في الصور.

خلال التحقيق في الجريمة استخدم خوان العنف مع أكثر من شخص، وحاول بيدرو منعه. هو الأسلوب الذي يعرفه إخوان، كمحقق وشرطي قديم في نظام حكم فرانكو وهو الأسلوب الذي يرفضه بيدرو. في المشاهد النهائية للفيلم نفهم من نظرات بيدرو إلى خوان وصمته، بعدما شاهد الصور القديمة له، مدى الخيبة الذي جعلته يزامله في التحقيق بجريمة بشعة كهذه.

خوان صاحب تاريخ أسود في التعذيب والقتل الجماعي، يحقّق في جريمة تعذيب وقتل فرديّة، يحقّق بالعنف مردّداً أنّ المجرّم عذّب الفتيات قبل قتلهن، محاولاً استنطاق المُحقَّق معه، يكرّر ذلك في أكثر من مكان، مستفظعاً ممارسة التعذيب والقتل من قبل المجرم. في النهاية سنعرف أنّه هو وضمن أسلوب ممنهج وضمن سلطة فاشيّة كان للأمن والشرطة فيها حكم مطلق تجاه النّاس، أنّه مارس تعذيباً وقتلاً بما لا يُمكن مقارنته، من حيث عدد الضحايا، مع الجريمة التي أتى ليحقّق فيها.

لدينا تجاور لنقيضين يجسّدهما المحقّقان، أحدهما يمثّل الحياة السابقة في إسبانيا والآخر الحياة اللاحقة. ولدينا تجاور لتماثلين، جريمة بحجم القرية الصغيرة وجريمة بحجم البلد الكبير. بأخذ ذلك بعين الاعتبار يمكن القول أنّ الفيلم قد تقصّد ألا تكون عمليات التحقيق ذاتها، بعقدها، طاغية لأنّنا لسنا أمام فيلم «نْوار» كلاسيكي يُأسّس على حبكته، ولأنّ الفيلم أوصل رسالته التّي حضّر لها على طول الفيلم، ونفهمها في اللقطات الأخيرة: كيف يمكن لمجرم أن يلاحق مجرماً باسم العدالة؟

في القدس العربي

 

marsh2345234

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s