سينما
اكتب تعليقُا

نصّ سيّئ وتصوير جيّد وإقحام للبورنوغرافي. «حُب» لغاسبار نوي

★★★★★

يمكن القول أن الفيلم السينمائي، كنتاج فنّي، يقوم على الصورة والنص، والعلاقة بينهما، وأيّ تفاوت بينهما دون أن يقدر أحدهما على ردم نواقص الآخر، سيكون واضحاً للكثير من المشاهدين، لذلك ربّما في العديد من الأفلام يُشارك المخرجون كاتب السيناريو في كتابة النص، أو يعمدون إلى إشراك كتّاب سيناريو لهم في كتابة النص. والنصّ هنا هو أساساً الحكاية والحوارات.

كان لا بدّ من التذكير بذلك للحديث عن فيلم «حب» للمخرج الأرجنتيني-الإيطالي غاسبار نوي، الفيلم فرنسي ولغته الإنكليزيّة، ومنذ عروضه الأولى في مهرجان كان هذا العام لم يرافقه حديث خارج إطار محتواه الجنسي.

النصّ في الفيلم عادي جداً، بل أقلّ من ذلك، هو أوّلا مسبّب للرتابة وثانياً مليئ بالكليشيهات، منها أن البطل يدرس السينما والبطلة تدرس الفنون الجميلة وكلاهما في باريس، دون أن يكون لذلك أي توظيف درامي غير أحاديث متفرّقة عن رغبة البطل مثلاً في عمل فيلم يحكي عن الجنس والحب بما يحويه من حسيّة وشغف، كأنّ المخرج غاسبار نوي نفسه يبرّر بأسطر كهذه المَشاهد الجنسيّة المتكرّرة والطويلة في فيلمه، وهو بالمناسبة وحده كاتب السيناريو للفيلم. أي أن التفاوت بين النص والصورة قد يفسّر رغبة نوي ذاته بكتابة نص، أيّ نص، مهما كان رتيباً وعادياً، ليلصقه بفكرة فيلم يرتكز على مشاهد جنسيّة تندر جرأتها سينمائياً، حملت الفيلمَ في بعض مشاهده من نطاق «الإيروتيكا» إلى نطاق «البورنوغرافيا».

أمّا الحكاية في الفيلم فليست أفضل حالاً من الحوارات. لدينا طالب أمريكي هو مرفي وطالبة هي الكترا يدرسان في باريس، يلتقيان وتجمع بينهما علاقة فيها الحب والجنس والمغامرة فيهما، يرغبان في تجريب كلّ ما يمكن أن يخطر لهما، كممارسة الجنس تحت تأثير حبوب مخدّرة وكذلك ممارسته مع طرف ثالث يتفقان على أن تكون فتاة وشقراء. سيتعرّفان على جارة جديدة لهما هي أومي، ستكون الفتاة الشقراء التي يمارسان معها علاقة ثلاثية (ميناج أَ تروا)، يتخلّل ذلك كليشيه آخر في الحوار هو تصريح البطل ضاحكاً «أحبّ أوروبا» حين يعرف أنّ الفتاة لم تبلغ بعد السن القانونية وتمارس الجنس الآن معهما. يتزوّج مرفي من الشقراء أومي بعد انقطاع علاقته بصديقته الكترا، وبذلك يبدأ الفيلم، باتّصال من والدة الكترا في الصباح التالي لليلة رأس السنة تبكي وتسأل مرفي إن كانت لديه أخبار عن ابنتها التي تظنّ الأم بأنّها انتحرت، مرفي سيكون متزوّجاً في حينها من أومي ولديه منها طفل.

إذن لا الحوارات مشغولة بشكل جيّد ولا كذلك الحكاية، بل بدتا تبريراً لما أراد المخرج تصويره، كان النصّ هنا تبريراً للصورة، ولو أشرك المخرج كاتبَ سيناريو اشتغل معه على النص لتخطّى، غالباً، العديد من مكامن الضعف في كليْهما. أمّا ما أظهر النصَّ بهذا السوء، فهو الشغل الجيّد على الصورة، تجاور السيناريو السيئ مع الإخراج الجيّد.

بدايةً، تقطيع الزمّن واستخدام الفلاش باك، أي التنقّل بين الأزمنة باستعادة السابقة منها، كان موفّقاً في فيلم أتى مشهده الأخير كاستمرار زمني لاحق للمشهد الأوّل، ويتقدّم المشهد الأوّل زمنياً عدّة مرّات خلال الفيلم، يتخلّله مشاهد لحياة مرفي السابقة مع التكرا. هو الراوي هنا، يتذكّر ويروي لنا ما حصل بينه وبينها وكذلك بينهما وبين زوجته الحالية أومي.

كذلك اللقطات القريبة التي تميّزت في الفيلم، تصوير للتفاصيل الصغيرة بلقطات تثبت لثوان، وإرفاقها بموسيقى تتنقّل بين الروك والكلاسيك، الألوان في بعض اللقطات، الإضاءات المتفاوتة حسب اختلاف الأماكن، هذه كلّها صبّت في صالح الفيلم كعمل فنّي بصريّ. وليس تصوير الممارسات الجنسيّة استثناءاً هنا، اللقطات القريبة لبعض تفاصيل الأجساد والحركات المتواترة أتاحت جماليّة للعديد من هذه المَشاهد، لكنّ لقطات مباشرة وبعيدة لهذه الممارسات إضافة إلى الإطالة غير المبرّرة فيها وتكرارها بشكل صارت مملّة أو بدت كفاصل يتخلّل الفيلم، ليست ذات وظيفة دراميّة أو فنيّة بالضرورة، هو ما جعلها عارضٌ «بورنوغرافي» في سياق فيلم «إيروتيكيى».

الفيلم الذي شارك في مهرجان كان هذا العام ضمن «خارج المسابقة»، اعتمد في الترويج لنفسه على أنّه لا يُعرض بغير تقنيّة 3D، أي: جنس وبأبعاد ثلاثة. لكن عملياً، لا يُحدث فرقاً يُذكر تأثير الـ 3D في أفلام تُصوّر مشاهدها كاملةً بالكاميرا دون تدخّلات الكمبيوتر وتأثيراته (تقنيّة CGI)، إلا في إبراز الترجمة أسفل الشاشة!

لكنّه اعتمد أساساً في الترويج على المَشاهد الجنسية، وليس ذلك أفضل ما فيه، وهو بذلك اعتمد على التحريض، أي على الجنس الذي بدا فجّاً في بعض مشاهده، كعامل تحريض يتسبّب للفيلم بضجّة صحافية ونقدية وجماهيريّة تصبّ في صالح التوزيع والتسويق، ولم يكن ذلك أبداً في صالح الشغل الجيّد في الفيلم. إن أراد أحدنا مشاهدة «بورنوغرافي» فالإنترنت مليئ بها، ما يبحث عنه المُشاهد في الفيلم السينمائي هو غالباً الشغل الجيّد، نصّاً وصورةً، أمّا الممارسات الجنسيّة فهي أمر حسن في الفيلم إن كان حضورها غير مفتعل أو مُقحم، ولتُصوّر بحريّة كاملة، لا بأس. لكن، قد يستحسن أحدنا قطعة غاتوه واحدة ويستمتع بها، أمّا إن أُجبر على تناول خمس منها، أو عشرة، فالنّتيجة عكسيّة تماماً، خاصّة إن لم يجد مبرّراً لكل هذه القطع.

في القدس العربي

love_affiche6457467

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s