سينما
اكتب تعليقُا

فيلم اللقطة الواحدة الألماني «فيكتوريا». العاديّ والمأساوي

★★★★

أكثر ما ميّز الفيلم الذي نال جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم في دورته الأخيرة، «بيردمان»، كان السينماتوغراف، أي التصوير الذي بدا كلقطة واحدة، وقد كتبنا عن ذلك في حينه. اليوم، يُعرض في الصالات فيلم ألماني مُصوَّر فعلاً بلقطة واحدة، لم «يبدُ» كذلك، بل فعلاً كان الفيلم كلّه (140 دقيقة) لقطة واحدة، ممتدّة دون قطع من أوّله إلى آخره. هنالك من يقول بأنّ الفيلم السينمائي يُنجز فعلاً في مرحلة ما بعد التصوير، أي المونتاج (التحرير). فيلم «فيكتوريا» للمخرج الألماني سيباستيان شيبر قام كلّيةً على التصوير، فيلم أٌنجز دون مونتاج، انتهى العمل عليه بتصوير اللقطة الأخيرة منه.

الفيلم يصوّر ليلة بيضاء (ليلة دون نوم) لفيكتوريا وشباب غرب برلين تتعرف عليهم أثناء خروجها من ناد ليلي، يمتد بهم الفيلم حتى أوّل الصباح حيث ينتهي بلقطة ثابتة هي اللقطة الثابتة الوحيدة في الفيلم الذي لم تتوقف الكاميرا فيه عن الحركة، كأنّها شخصيّة إضافيّة لم نرها، تواجدت طوال الليل مع فيكتوريا (لايا كوستا) والشباب، سون (فريديريك لو) وبوكسر (فرانز روغوسكي) واثنيْن اخريْن.

في طريقها خارجة من النادي الليلي، يعترض طريق فيكتوريا شباب ثملون مُنعوا من دخول النادي. يبدؤون حديثاً معها وتتجاوب معهم، يتقدّمون في الحديث وفي الطريق إلى حيّ آخر، هم مشياً وهي على بسكليتها بجانبهم، يستمر الحديث في أمور عاديّة، الشباب الثملون، أو نصف ثملين، يختلط حديثهم المبالغ فيه لكسب إعجاب الفتاة بضحكاتهم، وهي، العفوية الجريئة المرحة، تستمر في حديثها وضحكها. ينتقلون من مكان لآخر في ليل برلين حيث الشوارع فارغة إلا من سيارة شرطة تمرّ بهم عدّة مرّات، يذهبون إلى محل وينتشلون خلسة قناني البيرة دون أن ينتبه إليهم البائع النائم على كرسيّه، تتردّد هي أولاً ثم تتكيّف مع الآخرين، الأصدقاء الجدد. يصعدون إلى سطح بناية لإكمال السهرة، ثم تخبرهم هي بضرورة ذهابها إلى المقهى حيث تعمل لترتاح قليلاً قبل أن تفتحه صباحاً. يوصلها سون إلى هناك، تعزمه على قهوة فيدخل، يتحادثان، تعزف على البيانو، سون نصف الثمل لا يتوقّف عن المبالغة في أحاديثه لكسب إعجابها الذي لا تخفيه أصلاً. يتّصل به بوكسر، يأتي إليه في المقهى، يصبح الجوّ متوتّراً ما يهيّئ لمشكلة ستأتي وتعكّر صفو هذا السهر بين الاثنيْن، والضحك والحب الذي بان أوّله. سيضطرّ جميعهم للذهاب لسرقة بنك، لينقلنا الفيلم من حالة الصفو إلى ملاحقة الشرطة لهم وما يتخلّل ذلك من صراخ وتوتّر وطلقات نار وحصار وهروب سينتهي بشكل ما في اللقطة الأخيرة الثابتة من الفيلم.

يقول بوكسر لفيكتوريا بأنّه ليس شاباً سيئاً لكنّه يقوم بأفعال سيّئة، وهذا ما قد يدلّ على تطوّر الشخصيّات جميعها من بداية الفيلم إلى آخره، والحديث هنا عن ساعات قليلة، أو تحديداً عن 140 دقيقة تكون فيكتوريا والشباب في نصفها الأوّل عاديّين، يمضون وقتاً ممتعاً فرحين بهذه الصداقة الجديدة. لا نراهم شباناً خبثاء بالمناسبة، واستدراجهم لفيكتوريا في بداية الفيلم لم يكن إلا للمشاكسة والسهر وشرب الحشيش والبيرة، كأنّها عنصر قديم في المجموعة. أمّا في النصف الثاني من الفيلم وفي ربع ساعة ستنقلب حياتهم الهانئة العفويّة بعدما تجبرهم عصابة على سرقة بنك.

صناعة فيلم كهذا متعب ويعوزه بعض الحظ، أو الكثير منه، فإضافة إلى اللقطة الواحدة الطويلة، الفيلم صُوّر في شوارع برلين، ليلاً، باحتكاكات وردود أفعال لمارّة غير ممثلين، واضحة تماماً، ليس كل من ظهر في الفيلم ظهر كممثل، عدا عن أنّ الممثلين، فيكتوريا والشباب، اعتمدوا بقدر لا بأس به على أنفسهم ومهاراتهم في الحوارات العفويّة ودرور الأفعال، كأنّنا أمام تمثيل مسرحي لا مكان للخطأ وإعادة التصوير فيه. أحد رموز العمل السينمائي، الكلاكيت، الذي يُطرق لتوثيق كلّ لقطة تُصوّر، لا مكان له هنا.

نال الفيلم جائزة أفضل تصوير (سينماتوغراف) في مهرجان برلين السينمائي في دورته الأخيرة في فبراير، وكذلك نال جائزة الفيلم الألماني، وهي الجائزة السينمائية الألمانية الأرفع، في ستة مجالات من بينها كانت جائزة أفضل فيلم. بعد «بيردمان» وتحديداً بعد «فيكتوريا»، قد تكثر أفلام اللقطة الواحدة، الأفلام التي تخلّت عن واحد من أهم الأسس في العمل السينمائي، المونتاج، تجميع وتقطيع وإعادة ترتيب اللقطات. وإن كان لا بدّ من اختيار واحدٍ يكون مثالاً ممتازاً للقادم من أفلام اللقطة الواحدة، أنحاز لـ «فيكتوريا».

في القدس العربي

victoria poster

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s