سينما
اكتب تعليقُا

«قانون السوق». نقدٌ للنظام الاجتماعي، من البطالة إلى الوظيفة

★★★★

في مقابلة على إحدى القنوات الفرنسية، قال الممثل فانسان لاندون بأن ليس هنالك ما يُسمّى بالفن الملتزم، لا نقول «ملتزماً» بل «إنسانياً»، ببساطة. كانَ اللقاء على هامش عروض فيلم «قانون السوق» لاستيفان بريزيه في مهرجان كان السينمائي هذا العام، حيث نافس الفيلم على السعفة الذهبيّة، لكنّه خرج من المهرجان بالأنسب لكليْهما، جائزة أفضل ممثل لفانسان لاندون الذي أهدى الجائزة لوالديْه المتوفييْن بدموع لامعة وصوت متقطّع.

يقدّم الفيلم نقداً اجتماعياً قوياً لقانون السوق العرفي، غير الموثّق، وذلك عبر تصوير حياة تيري (لاندون) في مرحلتيْن مقسّمٌ عليهما الفيلم: بحثُ تيري عن عمل، وظروف عمله النفسيّة لاحقاً. وفي كليْهما تظهر قسوة الحياة التي يعيشها تيري وأسرته، زوجة وابن يعاني من قصور في وظائف الدماغ، حيث لكل مرحلة ضغوطها النفسيّة عليه. وهي حياة عاديّة لرجل يعيش على الحافّة بين الطبقة الدنيا والوسطى.

يبدأ الفيلم بتيري (51 عاماً) يمضي شهره العشرين باحثاً عن عمل بعدما فُصل من عمله السابق في أحد المصانع، يعيش على مساعدة الدولة والبالغة 500 يورو، بالكاد تكفيه لإطعام أسرته. نجده «يناضل» أمام الموظّفين في شركة التوظيف التابعة للدولة «بول إمبلوا» وأمام مؤسسات أخرى لنيل بعض حقوقه ولإيجاد عمل، أي عمل يمكن أن يعتاش وأسرته عليه.

ولا يترك تيري لهذه الضغوط، كمُعيل أسرة عاطل عن العمل بعمر متقدّم ودون شهادات، أن تؤثّر على حياته الأسريّة، ففي البيت يرقص مع زوجته وابنه، ويذهب مع زوجته إلى مركز لتعلّم الرقص، يبدو ببنطلون الجينز والقميص الباهت وحركاته وتعابير وجهه غريباً عمّا يحاول فعله، كأنّه مجبور عليه كرماً لزوجته، كأنّه يتبع مدرّب الرقص في حركاته التي يتوه عنها وأفكارٌ كإيجاد عمل وتدبير المصاريف لا تغادر رأسه. فوق كلّ ذلك، سيضطر لوضع ابنه في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، ما سيزيد من مصاريفه.

نراه في برامج تدريب للعاطلين على العمل تنصحهم في كيفيّة إعطاء الانطباع الأوّلي في مقابلة العمل، نراه كذلك يجري مقابلة مربكة عبر السكايب مع إحدى الشركات، وفي كلتا الحالتيْن يُظهر الفيلم ضآلة الفرص لشخص كتيري، بعمره وبمستواه التعليمي والمهني إنّما العامل المجدّ، في إيجاد عمل في زمننا الحديث لما تتطلبه الشركات من المتقدّمين إليها.

في المرحلة الثانية من الفيلم يجد تيري عملاً كموظّف أمن في أحد المتاجر الكبيرة، لا يتطلّب ذلك غير المراقبة، أو هذا ما بدا عليه. يتجوّل في المتجر مراقباً الزبائن، ثم نراه يتلقى تعليمات في كيفيّة المراقبة عبر الكاميرات المنتشرة في أسقف المتجر، هنا سيجد تيري أنّ عمله لم يقتصر على مجرّد المراقبة.

ينتقل المخرج بريزيه بفيلمه من نقد للمجتمع الرأسمالي حيث البطالة متفشّية وشروط العمل شبه مستحيله على فئات اجتماعيّة كتيري (20 شهراً يبحث عن عمل) إلى نقد لظروف العمل ذاته النفسيّة التي يضطر الموظّف للخضوع لها إن أراد الحفاظ على عمله وعدم العودة إلى البطالة، وهو سؤال أخلاقي سيواجهه تيري في عمله.

من غرفة المراقبة يتابع الزبائن إلى أن يجد وزميله محاولات للسرقة، ينزلون من الغرفة ويتبعون السارق الذي تم تصويره، يستجوبونه إلى أن يدفع ثمن ما سرقه أو يسجّلون بياناته لديهم. لكنّ الكاميرا كانت تراقب كذلك باقي الموظّفين، فيضطر تيري مرافقة رئيسه في العمل للتحقيق مع زملاء له لأنّ، مثلاً، إحداهنّ استخدمت بطاقة «تجميع النقاط» الخاصة بها مع مشتريات الزبائن، ما سينجم عنه فصلها عن العمل بعد استجوابها بشكل مهين أمام تيري وزملاء آخرين.

يشعر بأنّه شريك في عمليّة الضغط على زملائه وإهانتهم هذه، بأن وظيفته هي الوشي بهم والتسبب بفصلهم عن عملهم، وبالتالي تحويلهم للحالة التي كان هو عليها، لتصرّفات وإن كانت خاطئة إنّما تبقى محدودة ولا تُجازى لا بالإهانات ولا بالفصل.

يقع تيري في معضلة بين الحاجة الملحة للعمل، وقد وجد واحداً بعد فترة طويلة من البحث، وبين الظلم الذي يراه ويضطر لا للسكوت عنه فحسب، بل للمشاركة به، وهو ظلم كان هو ضحيّته في المصنع الذي عمل به قبل فترة البطالة الطويلة.

من بين باقي أفلامه، هذا الفيلم النقد-اجتماعي الأوّل لبريزيه، لكنّه التعاون الثالث بينه وبين لاندون، بعد «مادموزيل شامبون» (2009) و «بضع ساعات من الرّبيع» (2012). لقصّته الواقعيّة والحاصلة مع الكثير من مُشاهديه أو معارف لهم، والأكثر مع الفئات غير القادرة ربّما على مشاهدته، صُوّر الفيلم بكاميرا متحرّكة غير مثبّتة، كأنّه وثائقي، كأنّنا أمام مشاهد حقيقية.

أمّا ما جعل المُشاهد يخال بأنّه أمام تصوير واقعيّ وليس أمام فيلم روائي، إضافة إلى الحكاية والتصوير، فهو أداء فانسان لاندون الممتاز، الحركات التلقائيّة ليديه وملامح وجهه وطريقة كلامه وتقطّعات هذا الكلام. هنالك عدّة أسباب لمشاهدة الفيلم، من أهمّها المتعة التي يسبّبها أداء لاندون الذي استحقّ جائزة أفضل ممثل.

في القدس العربي

laloi3456235

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s