سينما
اكتب تعليقُا

«موستنغ». أخوات متمرّدات في بيت مصنّعٍ للزوجات

★★★★

للأفلام التركيّة حضور قوي في فرنسا، إن كان ضمن المهرجانات أو العروض في الصالات، والمراجعات الصحافيّة لها تكون غالباً بتقييمات عالية. في السنة الماضية فاز الفيلم التركي «سُبات شتوي» لنوري بلجي غيلان بالسعفة الذهبية في مهرجان كان. أمّا هذا العام فقد شارك فيلم «موستنغ» لدينيز غامز أورغوفين، وهو فيلمها الروائي الطويل الأوّل، ضمن برنامج «أسبوعيّ المخرجين» الموازي لمهرجان كان السينمائي، حيث نال جائزة «علامة سينمات أوروبا» في المسابقة، ونال تقييمات عالية من بينها كان عنوان في صحيفة فرنسية يقول بأن «لم يعد هنالك حاجة للبحث عن أفضل فيلم لهذا العام».

للفيلم أجواء «انتحارات العذراء» (1999) للأميركيّة سوفيا كوبولا، حيث خمس أخوات يتعرّضن للحبس من قبل والديهم بعد محاولة أصغرهنّ الانتحار. في الفيلم التركي هنالك خمس أخوات كذلك، عفويّات بأرواح جميلة، يتيمات يتعرّضن للحبس من قبل عمّهن وجدّتهن حفاظاً على سمعتهنّ وكي يبقين صالحات للزواج. يبدأ الحبس بمنعهن من الخروج، إلى أن يتفاقم الوضع فتفلت الأمور أخيراً من بين يدي العمّ والجدّة، فيما يمكن رؤيته تمرّداً أو هجوماً مضاداً.

يبدأ الفيلم بانتهاء العام الدراسي ولعب الفتيات على الشاطئ مع زملاء لهنّ، يعدن إلى البيت وتوبّخهنّ جدّتهن. يعود عمّهن ويبدأ بعقابهن، محاولاً ضربهن أمام دفاعهن عن بعضهن. هنا، يبدأ البيت بالتحوّل إلى سجن، منعٌ من الخروج  يتطوّر لاحقاً إلى أبواب حديدية بأقفال لحوش البيت رؤوس مسنّنة على أسواره، إلى تركيب قضبان حديدية تسد النوافذ لمنعهنّ حتى من القفز منها، وتبدأ بزيارة البيت مدرّبات على الأعمال المنزلية كالطبخ والخياطة لتحضيرهنّ للزواج. «صار البيت مصنعاً للزوجات»، تقول لال.

نتلقّى الفيلم بعيني الأخت الصغرى، لال، تحكي لنا ما تراه بصوت خارجي. عملياً، لا نشاهد إلا من خلالها، فهي حاضرة إمّا أمام الكامرا وإمّا بعينيها وصوتها خلف الكامرا. يبدأ الفيلم بصوتها وصورة سوداء، تحكي بكلمات مقتضبة أنّ حياتهنّ صارت كالخراء، كل ما فيها صار كذلك. في الفيلم يُجبرن على ارتداء جلابيات بنّية لا يخرجن إلا بها ومع جدّتهن. جلابيات، تقول لال، بلون الخراء.

مما يميّز الفيلم هو ابتعاده عن الكليشيهات في طرح مسائل كهذه، فالبنات لسن تلك الساذجات البريئات تماماً واللاتي يتعرّضن لقمع العائلة والمحيط. بل فتيات، مراهقات، مشاغبات أحياناً، ضحوكات، لا يخفين انجذابهن لشباب في القرية، كبيرتهن تخرج ليلاً، تقفز من النافذة قبل أن يتم سدّها بالحديد، تمضي ليلة مع صديقها، أخرى تخاطر بعلاقة سريعة في سيّارة عمّها، لكن سلوك الفتيات هذا يأتي في الفيلم كرد فعل، منه الواعي المقصود ومنه غير الواعي التلقائي، على قمع العم والجدّة ومجتمع هذه القرية الساحلية شمال تركيا التي تبعد ألف كلم عن اسطنبول. ولرد الفعل هذا نتائج ستتفاوت بين فتاة وأخرى.

خمس أخوات، لا يسعى العم والجدة طوال الفيلم إلا للتخلص منهن بتزويجهن، العائلات تتوافد مع أبنائها إلى البيت ضمن عادات الزواج المدبّر. الكبرى، في غرفة مجاورة للصالون، تهدد جدّتها بالصراخ والتسبب بفضيحة أمام الزائرين، رفضاً للزواج من غير صديقها، تخضع جدتها لها ويأتي هو لاحقاً مع عائلته لطلب يدها، تقدّم الجدة للعائلة المنتظرة في الصالون دخول البنت الكبرى بصينيّة القهوة، تقدّم أختَها الأصغر منها بدلاً عنها. الأخت الثالثة تنتحر بمسدّس كان العمّ يطلق منه عيارات في الهواء في عرس أختها، دون أن يخفي الفيلم في لقطات كهذه وفي غيرها العنف الذكوري والتسلّط الأبوي للعم تجاه لا البنات فحسب، بل تجاه والدته كذلك.

لا يتعرّض الفيلم للمجتمع من ناحية التديّن، بل المحافَظة. المكان هو قرية منعزلة حتى عن اللبس النسائي الإسلامي المُعَولَم، المُحَكم والغامق والفضفاض. اللبس والعادات هنا قروية جداً، البنات يبقين في البيت بالشورت أو بلباس داخلي، في الخارج زي المدرسة كان قميصاً وتنورة، الأب يشاهد مع أصدقائه مباراة كرة القدم وهم يشربون كؤوس العرق، لكنّه في الوقت ذاته يغلق على بنات أخيه ويعرّضهن لفحص العذريّة مراراً، كلّما شكّ في إحداهن.

في الفيلم مصائر مختلفة للفتيات الخمس، يمكن أن يكون لكلّ فتاة في مجتمع محافظ ومنغلق كهذا واحد من تلك المصائر المتراوحة بين الخنوع والمساومة والانتحار والمواجهة. في البيت يُمنعن من التصرّف بحرية، الهاتف والكمبيوتر في خزانة مقفلة، البيت مغلق كالسجن ويُمنعن من الخروج بأي طريقة، وإن خرجن فهنالك نسوة في القرية إن رأينهن يخبرن الجدّة فوراً، في حالة كهذه كان الحلّ هو الهروب إلى إسنطبول، المدينة الكوزموبوليتية الحديثة النقيض التام عن القرية المعزولة والمنغلقة.

تصوير موضوع كهذا سينمائياً يسهّل الوقوع في تنميطات أو المبالغة في بعض التصرّفات فيما يتوافق والجمهور الأوروبي المنجذب بمعظمه لمواضيع كهذه، قد يعود الانجذاب هذا لأسباب مرتبطة بمشاعر استشراقية أو كولونيالية كامنة وقديمة أو لفضول لما يحصل في «العالم الآخر»، المتخلّف بالضرورة. لكن هل يتوجّب على السينما التركية أو العربية أو غيرها، لتجنّب مشاعر فوقيّة كهذه لدى الجمهور الأوروبي، الابتعادَ عن مواضيع تطرح مشاكل مجتمع محافظ كما هو وتنقل مصائر الفتيات كما يحصل فعلاً في «عالمهم»؟ مع قليل من الحذر: لا أعتقد، إلا إن كانت الغاية من الفيلم أساساً استحضار مشاعر كهذه، وذلك الابتذال يظهر من ربع الساعة الأولى. في «موستنغ» تمّ تجنّب التنميطات الجاهزة، ونَقلَ الفيلم قصصاً قد يحمل واقعنا المشرقي الأبوي، عربياً كما تركياً، ما هو أسوأ منها.

في القدس العربي

mustng3425243

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s