سينما
اكتب تعليقُا

«وادي الحب». خيالُ السينما طارحاً مسائلَ فلسفيّة

★★★★ 

قد تكون طبيعة فيلم كهذا، يعتمد على الحوارات بين الشخصيتيْن الرئيسيتيْن، مستلزِمة لأسماء كبيرة تؤدّي الشخصيتيْن. أجواء الفيلم الكئيبة والهادئة إنّما المتوتّرة في بعض مفاصلها، وهو توتّر تسبّبه الحكاية في الفيلم، أجواء كهذه مرفَقة بحوارات متقطّعة وعاديّة جداً، قد لا تُقنع المُشاهد بالاستمرار في الاستماع لها إن لم يؤدّها ممثلون مقنِعون، وبهذا الاستمرار في مشاهدة الحوارات المتقطّعة، يمكن للمُشاهد لاحقاً إيجاد تناغم بينها يُدخله إلى أجواء الفيلم وحكايته، وتكون الحوارات العاديّة هذه أساسيّة في البنية الكئيبة للفيلم، أقول كئيبة بمعنى سوداويّة، وهي هنا أحد عوامل الجذب.

في الفيلم شخصيّتان رئيسيّتان هما إيزابيل وجيرار، وهي الأسماء الأولى لممثليْهما إيزابيل إيبر وجيرار ديبارديو، وهما من أهم الأسماء في السينما الفرنسية الراهنة، ووجهان حاضران في التاريخ الحديث للسينما الفرنسية، للسيرة الفيلميّة الطويلة والمعتبَرة لكل منهما. جمعهما «وادي الحب» الذي أخرجه غيوم نيكلو، بعد 25 عاماً من لقائهما في فيلم «لولو» (1980، إخراج موريس بيالا). وقد نافس الفيلم على السعفة الذهبيّة في مهرجان كان السينمائي هذا العام.

بعد زمن على طلاقهما، يتلقّى كل من إيزابيل وجيرار (هما كذلك ممثلان شهيران) الرسالة ذاتها من ابنهما مايكل الذي انتحر قبل خمسة أشهر، تحكي رغبته بأن ينفّذا خطّة بحسب عَقدٍ بقي غامضاً كأمور عدّة في الفيلم، ولهذا الغموض مسألة وظيفيّة سأعود إليها. الخطّة هي أن يلتقيا في «وادي الموت» وهو معلم سياحي في كاليفورنيا يُعرف بالمنطقة الأشدّ حراً في أميركا الشمالية، وبأن يقضيا معاً أسبوعاً هناك، يذهبان إلى واحد من مناطق الوادي، يسمّيها جميعها، كل يوم لقضاء ساعتيْن، مضيفاً بأنّه، إن تقيّدا بالخطّة، سيظهر لهما. كأنّه يحكي عن الحياة ما بعد الموت.

يبدأ الفيلم بإيزابيل تصل إلى فندق متواضع في المنطقة هناك، يلحقها جيرار، يلتقيان بعد فراق طويل، ينفّذان وصيّة ابنهما، أو خطّته، ويقضيان يومياً ساعتيْن في الحر، بين التلال الرملية والصخرية والجبال. خلال ذلك وقبله وبعده في الفندق، يمضيان الوقت بالحديث العادي، في كلّ شيء وفي لا شيء.

قد يكون الفيلم مملاً للكثيرين، لكن، بغض النظر عن الممثليْن إيبر وديبارديو، الحوارات هنا متقطّعة لغاية تكييفها مع الحكاية حيث الموت والخلاء والحر، ما هو أشبه بالعقاب الإلهي. نحن أمام طليقيْن غير متّفقيْن على شيء، يختلفان بسهولة، اجتمعا تلبيةً لرغبة ابنهما فقط، في مكان هو الأشدّ حرارة، بين الصخور والرمال. الهواتف لا تعمل جيّداً والطعام بائس، وكلّما شرعا في الحديث عن ذكرى ما بينهما أو حادثة قديمة يعود بهما الحديث إلى ابنهما. وهذا التقطّع زاد من الغموض في بعض تفاصيل الحكاية حيث ينتهي الفيلم بتركها عالقة. وبالحوارات يُدخِل الفيلمُ قضيّةً خلافيّة أساسية بين إيزابيل وجيرار.

إيزابيل مؤمنة بالغيبيّات، تصرخ في غرفتها بأنّها رأت شبحاً، تصرّ على المضي في خطّه ابنهما إلى آخرها، وهي في الوقت ذاته سريعة التوتّر والغضب. جيرار ماديّ، شكّاك، لا يرى أي منفعة أو ضرورة من تنفيذ خطّة ابنه ويصرّ على المغادرة قبل انتهاء الخطّة بيوم لانشغاله بأمر آخر، دنيوي. هي تصرّ على أنّ أحدهم مسكها من قدميْها أثناء نومها وأنّ البقع الحمراء عليهما هي آثار أصابعه، هو لا يأخذ تفسيرها على محمل الجد لكنّه يخبرها بضرورة رؤية طبيب. وهذه بقع تبدو كآثار حساسيّة قد تَسبّب بها الفندق الرخيص وفراشه.

يسألها إن كانت فعلاً ستمضي الساعتيْن كاملتيْن في هذا الحر، تجيب بأنّ ذلك لا بدّ أن يحصل كما كتبه ابنهما في وصيّته، يردّ بأنّها مجرّد كلمات مكتوبة، بأنّ ذلك يبدو كالحجّ وأنّ ابنهما أراد لهما أن يضيعا في وسط اللامكان، فلا يجدا ما يفعلانه غير الحديث عنه، وهذه طريقته لعقابهما لأنّهما أفسدا حياته، فيمضيا معاً أسبوعاً في وادي الموت، يقول، هذا الحر بذاته عقاب.

دون أن نعرف بعض مَشاهده إن كانت هلوسات أم حقيقة، يخلط الفيلم بشخصيّتيْه بين الوضوح والعاديّة وبين الغموض والعبث، بين الرؤية الماديّة الوجوديّة للأمور وبين الرؤية العاطفيّة الإيمانية، وليس ذلك ببعيد عن كون جيرار يأكل لحماً وإيزابيل نباتيّة، تأكل برغر بالخضرة، دون أن يقتنع هو بأنّ البرغر تبقى برغراً بدون لحم. وهذا التناقض يجعل الفيلم في النهاية غامضاً في معظم مسائله التي تبقى معلّقة غير مُجاب عليها، غير أكيدة، فكانت الحوارات بينهما تُقطع في منتصفها.

لا أفضّل تحميل الأفلام مسائلَ فلسفيّة، لكنّ بعضها يُجبرنا على ذلك، فـ «وادي الحب»، حيث يحمل الاسمُ تناقضاً تاماً مع اسم المكان «وادي الموت»، يعرضُ رؤيتيْن متناقضتيْن أمام الموت، إنّما يترك احتمالات كلّ منهما مفتوحة، وإن، خلافاً للعقل، قد تشي النهاية بغلبة للعاطفة، ربّما لأنّ السُّكر في السينما هو الخيال.

في القدس العربي

valley45655

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s