فنون
اكتب تعليقُا

تصويرُ النّص، فيلما «العاشق» و «احتقار» مثالاً. دوراس وغودار

المحدِّد لعمليّة تلقّي المادّة الفنيّة، أيْ الموضوع، هو الوسيط الذي ينقلها إلى متلقّيها. أو: الشكل الذي يتّخذه العمل الفنّي، فيلماً أو رواية، هو الذي يحدّد أساساً كيفيّة تلقّي هذا العمل، وإن كان الحديث عن «نصٍ» واحد لكليْهما، فالمشاهدون يتلقّون فيلماً ليس كما يتلقى القرّاء رواية، وإن نَقل الاثنانُ الحكايةَ نفسها.

قد نتفّق على أنّ الشكلين الفنّيين الأكثر تماثلاً هما الرواية والفيلم، في كليهما تحضر شخصيّات وحكاية وزمان ومكان. يتداخلان في الاتجاهين: السينما تستعير من الأدب حكاياته، والأدب يستعير من السينما تقنيّاتها. لكن الحالة الأولى هي الأكثر حضوراً والأكثر تأثيراً في هذا التداخل، والأفلام المنقولة عن الأدب تستلزم لإنجازها معايير عالية سينماتوغرافياً، لذلك يسهل أن تفشل هذه الأفلام في إرضاء قرّاء الرواية التي تمّ نقلها. لكن ما يقرّر نجاح المخرج في هذا النقل هو الفيلم ضمن معايير سينماتوغرافيّة وليس الكتاب ضمن معايير أدبيّة، أي ليس إخلاصَه للرواية المُنجزة بل للفيلم قيد الإنجاز.

مسألة نقل رواية إلى فيلم هو تحدٍّ يكبر أمام المخرج كلّما كان للكتاب تقييمات عالية في مجاله، أي الأدب، على خلاف ما قد يظنّه البعض بأنّ المخرج بنقل رواية ناجحة إلى فيلم إنّما يضمن مسبقاً نجاحاً نسبياً لفيلمه. ليست المقارنة هنا بين الرواية والفيلم بمعايير واحد منهما، كشكل فنّي. فلا يُقارن الفيلم بالرواية ضمن معاييرها وشروطها، فهذا يجعل قارئ رواية ما يفضّلها على فيلمٍ مأخوذ عنها يشاهده لاحقاً. لكلٍّ معاييره ومجاله المنفصل عن الآخر ولا يُقاس أحدهما بمعايير وشروط التلقّي لدى الآخر.

من بين الأمثلة التي يمكن استحضارها هنا هي رواية «العاشق» (١٩٨٤) للروائيّة الفرنسية مارغريت دوراس، وفيلم بالاسم نفسه للمخرج الفرنسي جان جاك أنّو (١٩٩٢). دوراس من أهمّ الروائيات الفرنسيات وأنّو من المخرجين الجيّدين. حصل أن قرأتُ الرواية قبل مشاهدة الفيلم. الرواية ممتازة والفيلم كان جيّداً، نقلَ الرّوايةَ بشكل يمكن اعتباره، سينماتوغرافياً، موفّقاً، إنّما لا نُقارن بين الشكليْن الفنّييْن طالما أنّ لكل منهما منطقه (أدباً أو سينما) ومادّته (نصاً أو صورة) ووسيطه (كتاباً أو فيلماً) ومتلقّيه (قارئاً أو مشاهداً). المتلقّي ليس ذاته هنا، في حالة يكون قارئاً قد يستغرق منه الكتابُ أسبوعاً أو شهراً، والفيلم ساعة ونصف أو ساعتيْن. سؤال التفضيل هنا لا يتعلّق بالعمل المنجز بقدر ما يتعلّق بالوسيط الذي تمّ تلقّي العمل من خلاله، هنالك من يفضّل تلقّي الحكاية بالقراءة وهنالك من يفضّله بالمشاهدة، وهنالك من يجد متّسعاً للاثنيْن مستمتعاً بكليْهما، على حدة.

مارغريت دوراس هي مؤلّفة الرّواية (مستمَدّة من سيرتها الذاتيّة وقد نالت عنها جائزة غونكور عام ١٩٨٤)، فالمُتوقّع ألاّ يعجبها الفيلم، بغض النظر عن معاييره السينماتوغرافيّة، لأنّ الفيلم بنظرها يحاول نقل نَصّها إلى صور، وبالتالي ستتلقاه تبعاً للغة وللمعايير الأدبيّة التي هي بنتْها في الكتاب، في خلط بين الشكليْن يتضاعف صعوبة الفصل بينهما إن كان المتلقّي للفيلم هو مؤلّف الرواية ذاته.

ضمن الفيلم الوثائقي «قصصُ السينما» الذي عرضته قناة «آرتي» الفرنسية مؤخّراً،  تقول دوراس في مقابلة أرشيفيّة بأنّها ضد نقل الروايات إلى السينما، وتحديداً الكلاسيكيّات منها، لأنّه إن لم يقرأ أحدهم رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل، وشاهد الفيلم، وقرّر قراءتها لاحقاً، سيضايقه الفيلم ويشوّش عليه، فعلاقته بالنص المقروء ستكون «غير نقيّة». وهذا صحيح تماماً بنظري لأنّ الخيال الذي يتشكّل مع تطوّر الرواية أثناء القراءة، الشخصيات والأمكنة والأجواء، سيكون محدوداً بما قدّمه الفيلم، سيتم استعادة قراءة مخرج الفيلم المشهديّة للنص، أثناء قراءة مُشاهد الفيلم للنص الأدبي لاحقاً. تقول دوراس بأنّ السينما تلصق أشكالاً محدّدة بما يتوجّب تركه للخيال، «تلصقه إلى الأبد».

يسألها مُحاورها عن سبب قبولها بنقل رواياتها إلى السينما، تردّ بأنّها الوسيلة الوحيدة للكاتب لكسب المال. يحضرني الآن سطر كان قد لفتني أثناء قراءة الكتاب ما قبل الأخير الذي كتبتْه دوراس وهو «كتابة» (١٩٩٣)، تقول في أحد نصوصه أنّها تكتب حالياً في بيت/قصر بالقرب من باريس والذي اشترته مما كسبته من نقل كتابها «سدٌّ يواجه المحيط الهادئ» (١٩٥٠) إلى فيلم بالاسم نفسه وباسم ثانٍ هو «هذا الزمن الغاضب» (١٩٥٨)، (أُعيد نقل الرواية إلى السينما عام ٢٠٠٨). وبالمناسبة، فقد تمّ نقل ١٤ نصاً لدوراس إلى السينما، إمّا من قبل آخرين أو من قبلها هي التي لها رصيد جيّد من الأفلام أخرجتها إلى جانب كتابة نصوصها. وبالحديث عن كتابة نصوص خاصة بالسينما، فقد كتبت دوراس سيناريو أحد أهم أفلام «الموجة الجديدة» في السينما الفرسية وهو فيلم «هيروشيما يا حبيبتي» (١٩٥٩) للمخرج الفرنسي آلان رينيه. لاحقاً، صار السيناريو كتاباً يُقرأ كنصّ أدبي، أشبه بمسرحيّة تُقرأ لا تُشاهد.

تعجبني دوراس ككاتبة، لكنّي أكثر حذَراً في رأيي بها كمخرجة، إنّما لا يمكن القول بغير أنّها من القلائل في هذا العالم الذين صنعوا اسماً في الأدب واسماً آخر في السينما، في الأوّل كمؤلّفين وفي الثانية كمخرجين، في الأوّل ضمن معايير يتطلّبها الأدب للكتابة وفي الثانية ضمن معايير تتطلّبها السينما في الإخراج، وقد يكون المثال الأفضل لذلك هو الإيطالي بيير باولو بازوليني المتفوّق في كلا الشكليْن الفنّييْن.

في حوار مُصوّر بين دوراس والمُخرج الاستثنائي جان لوك غودار الذي يُظهر حبّه للأدب من خلال الحضور الدائم له ضمن المَشاهد والحوارات وليس كنقلٍ له إلى السينما، فغودار مقلّ جداً في نقل الأدب إلى السينما، في حوار بين الاثنيْن تقول دوراس بأنّ الأفلام هي في الحقيقة كتب، يردّ غودار بأنّها كتبٌ تتكلّم، أو ترى. والردّ يشير إلى مسألة التلقّي لدى كل من الكتاب والفيلم. على كلّ حال أذكّر هنا بالكتاب الذي صدر العام الماضي وهو «دوراس-غودار. حوارات»، ثلاثة حوارات بين الاثنيْن تتناول الأدب والسينما والعلاقات المتداخلة بينهما، أي محور حديثي هنا.

أنهي هذه الأسطر بنقل غودار نفسه في فيلم مختلف عن معظم أفلامه، هو «احتقار» (١٩٦٣)، لرواية للإيطالي ألبرتو مورافيا حملت الاسم نفسه، الفيلم مختلف لأنّه نقلٌ عن رواية أوّلاً، ولأنّه بذلك كان أميَل للحكاية منه للتجريب، وليس هذا ما صنع اسم غودار سينمائياً. لكن الفيلم اليوم يُعتبر من الكلاسيكيّات الحديثة للسينما الفرنسيّة (الموجة الجديدة) ويُصنّف كـ «تحفة» سينمائيّة، ومن هنا قد يأتي تمنّع مورافيا عن الإعجاب بالفيلم، يقول في لقطة أرشيفيّة أنّه أمكن لغودار أن يصنع أفضل منه، وأنّ مشكلة غودار في الفيلم أنّه كان مخلصاً زيادةً لنصّ الرواية. وهو الحاصل تماماً مع دوراس ونقل روايتها «العاشق» إلى فيلم، أي التمنّع الموتقَّع والطبيعي لمؤلّف الرواية عن الإعجاب بنقلها إلى فيلم، لأنّه، كمؤلّف، سيتلقى الفيلم كمؤلّف لنص هو قارئه الأوّل، الأوّل والأكثر تماهياً معه.

في حالة «احتقار»، الفيلم نال تقييماً عالياً، قد نقول بأنّه هو الذي نقل الحكاية، حكاية الرواية نفسها وشخصيّاتها، بأنّه نال الاعتراف بكونه راوي الحكاية الأوّل، بأنّه سلبها من الكتاب، وبالتالي بأنّ غودار، وهو كاتب سيناريو الفيلم، سلب حكاية «احتقار» من مورافيا ولذلك لم يُعجَب الأخير بالفيلم، فإن كان كلا العمليْن، الرواية والفيلم، «تحفةً» في مجاله، فإنّ غيرةً مهنيّة ستصيب الطرفيْن هنا، المخرج سيحاول التفوّق على الروائي في نقل الحكاية والروائي سيتمنّى فشل المخرج في ذلك.

هذا منطق يمكن تقبّله إن قبلنا أساساً الخلط بين الشكليْن الفنّييْن، لذلك بدأتُ هذه الأسطر بالقول بأهمّية الفصل بين كل من الشكليْن، الفيلم والرواية، وبضرورة تلقّي كل منهما على حدة، في مجاله الخاص، ضمن شروط تلقّيه، سينما كان أم أدباً. الرواية موجودة ويمكن قراءتها، وكذلك الفيلم ويمكن مشاهدته. لكن ما يتوجّب فعله هو القراءة قبل المشاهدة، لأنّ التشويش ينتقل بجهة واحدة هنا، من الفيلم إلى الرواية، من المشاهدة إلى القراءة، من خيال مخرج الفيلم إلى خيالنا، وليس العكس.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s