سينما
اكتب تعليقُا

«رأس مرفوعة» للفرنسيّة بيركو. جنوح الأولاد للعنف وإعادة التأهيل

★★★★

اختار مهرجان كان السينمائي أن يفتتح دورته لهذه السنة بفيلم «رأس مرفوعة» الذي بدأت عروضه في الصالات الفرنسيّة في اليوم ذاته. الفيلم المعروض خارج المسابقة الرّسميّة هو للفرنسية إيمانويل بيركو القادمة إلى الإخراج من التمثيل، وقد نالت في المهرجان ذاته قبل أيّام جائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «مَلِكي» للمخرجة والممثلة الفرنسية مايوين بيسكو. عُرفت بيركو كمخرجة في أفلام كـ «على طريقتي» و «كليمان» وشاركت بها في عدّة مهرجانات، وكممثلة في «بوليس» للمخرجة ذاتها، مايوين، والذي نال جائزة لجنة التحكيم في كان عام ٢٠١١.

لعنوان الفيلم «La Tête haute» دلالة نستخدم لها في العربية التعبير ذاته، «رأس مرفوعة»، للإشارة إلى عزّة النفس، وهو المحرّك لسلوك الشخصيّة الأساسية في الفيلم، مالوني (رود بارادو في دور أوّل له يُعدّ اكتشافاً، لأدائه أولاً ولصغر سنّه ثانياً)، سلوكٌ يجعل عزّة النفس لدى مالوني، ومعها العناد، أمراً كامناً محفّزاً للظاهر في سلوكه، أو ردود فعله، وهو العنف، أو الجنوح إلى العنف الجسدي، ممارسته أحياناً، إضافة إلى الممارسة الدائمة للعنف اللفظي، دون أن تسمح له «رأسه المرفوعة» أن يعتذر عمّا يصدر عنه.

يتمحور الفيلم حول هذه الشخصيّة، وما تسبّبه من ردود أفعال للشخصيّات الأخرى حولها، أهمّها القاضية في شؤون الأطفال (كاترين دينوف). يبدأ الفيلم بوالدة مالوني في مكتب القاضية وابنها كان ما يزال في سنواته الأولى، لا يبدو لنا أنّها في حالة ذهنيّة تسمح لها بتربية مالوني وأخيه الصغير، وهي لا تعيش كذلك علاقة مستقرّة مع أحدهم. ينتقل الفيلم من هذه الجلسة مع القاضية إلى سنين لاحقة حيث نشاهد مالوني يقود سيّارة بتهوّر ووالدته إلى جانبه تزيد من حماسته. سيعود مالوني لأسباب تتعلّق بالعنف والسرقة إلى مكتب القاضية ذاتها، وهنا تبدأ رحلة العلاج المتوتّرة والمتفاوتة في مراحلها مع مالوني، من بينها مركز تأهيل في الرّيف حيث سيمضي الوقت بتعلّم الكتابة كونه لم يذهب للمدرسة، وبممارسة الرياضة والعمل، في مكان لا يرى فيه سوى تلال خضراء وسماء زرقاء. هنا، يبدأ علاقة متوتّرة هي كذلك، مع مدرّبه الذي سيصاحبه لاحقاً، سيجد له عملاً في مطعم لا يبقى فيه لأكثر من يوميْن. يستمرّ مالوني بحالته العنفيّة وتهوّره إلى أن يقود سيّارة مجدّداً ودون رخصة قيادة ويرتكب حادثاً يجعلها تنقلب فيه هو وأخيه الصغير بعدما «خطفه» من مركز حضانة هو الآخر لسوء رعاية أمّهما له بعدما تسمّم بسبب الإهمال. يعود مالوني مجدّداً إلى القاضية التي ستقرّر حبسه ستّة أشهر، وهو ما يزال في السابعة عشر من عمره.

يخرج وقد خفّ التوتّر والجنوح للعنف البادي عليه في كلّ حالاته، غالباً ما نراه يجهد للإمساك بأعصابه وكبح ردود فعله وصراخه، إلا أنّه في مقابلة في أحد المراكز المتابِعة لحالته يفقد السيطرة على نفسه ويعود لاضطرابه الأولي الذي لم يبتعد عنه كثيراً، فيعود مجدّداً إلى القاضية التي ترسله إلى مركز تأهيل آخر، هناك سيبقى كما هو، لن تغادره حالة العنف التي تسيطر على سلوكه وكلامه مع الجميع، إلى أن يتطوّر الفيلم بقدر ضئيل في نهايته، دون أن يحسم الحالة التي سيستقرّ عليها مالوني أخيراً.

يذكّر «رأس مرفوعة» بفيلم آخر هو «أمّي» لإكزافيير دولان، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان في دورته السابقة، ودولان هو أحد المحكّمين في دورة هذا العام من المهرجان. في «أمّي» نشاهد صبياً مراهقاً، بعمر مالوني، يخرج في بداية الفيلم من مركز تأهيل ليعيش مع أمّه التي ستعاني معه كثيراً إلى أن تعيد إرساله إلى مركز التأهيل في نهاية الفيلم. في «أمّي» الحالة مَرَضيّة سيكولوجيّة، وتمّ طرحها من هذه الزاوية. هنا في «رأس مرفوعة» يتم تقديم حالة اجتماعيّة، وليست فرديّة، يطرحها الفيلم من خلال مالوني الذي نراه في الفيلم ضمن شباب مراهقين آخرين في مركزيْ التأهيل تتشابه حالاتهم معه، والذي سيكون مضطراً للتعامل مع النظام الفرنسي، القضائي والتأهيلي، فلسنا بذلك أمام حالة فردية بل مسألة أكثر عموميّة تخصّ الجنوح للعنف لدى المراهقين، وهؤلاء ليسوا حالات خاصة أو مَرَضيّة إنّما ظواهر اجتماعيّة، ونحن كذلك أمام النظام المتّبع في الدولة الفرنسية المعنيّ بالتعامل معهم، وكيفيّة ومدى جدوى ومسؤوليات ونتائج هذا التعامل، وهذا ما قد يجعل الفيلم نوعاً ما محليّاً، لخوضه مسائل اجتماعيّة، وأسلوب معالجتها هنا هي خصوصيّة فرنسيّة، بخلاف فيلم «أمّي» الذي يتم فيه طرح حالة مَرَضيّة كسمة بشريّة يمكن ببساطة تغيير المكان فيها (إقليم الكيبيك) دون أن يغيّر ذلك شيئاً أساسياً في الفيلم.

«رأس مرفوعة» طويل نسبيّاً (١١٩ دقيقة) ويبقى على وتيرة واحدة تقريباً حتى نهايته، تحدّدها الحالة المضطربة التي يعيشها مالوني داخل رأسه والتي يفرضها على من حوله والتي ستُمرّر للمُشاهد في بعض لحظاتها. وهو فيلم دراميّ بامتياز، لم يتخلّله أي لقطة توجَد فيها مفارقة ما يمكن أن ترخي الأعصاب قليلاً أو تسبّب ضحكة ولو خفيفة للمُشاهد المتنقّل بين عتبات مختلفة ضمن حالة توتّر واحدة في ما يُشاهده. وبذلك يمكن اعتبار الساعتيْن مدّة طويله له، إنّما دون أن تُسبّب هذه الاستطالة الدراميّة أحاديّة اللون أيّ رتابة، فالتنويع حاضر والأحداث تتطوّر بوتيرة مناسبة إنّما كلّها ضمن إطار الحالة المضطربة لمالوني.

يُضيف إلى الفيلم أن يُفتتح به مهرجان كان لهذه السنة لكن كذلك يُضيف مهرجان كان لنفسه باختيار «رأس مرفوعة» فيلمَ الافتتاح وذلك للمسألة الاجتماعيّة التي يطرحها، حيث تتوزع المسؤوليّات بين الأمّ والدولة في نشأة طفل ومراهق يجنح للعنف وفي مدى مسؤوليّة هذا الأخير في تصحيح مساره. فيلم كهذا يمكن أن يقوم بدور علاجي للبعض، كما يمكن أن يقوم بدور إرشاديّ للبعض الآخر، خاصّة وأنّ المخرجة قد صرّحت بأنّها اعتمدت على الكثير من البحوث والملفّات القضائيّة للعمل على هذا الفيلم.

في القدس العربي

latete3456546

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s