سينما
اكتب تعليقُا

«علاج برودواي». السعادة في إطعام السناجب للبندق لا العكس

★★★★

يمكن القول أن المخرج الأميركي وودي ألن استحدث أسلوباً سينمائياً خاصاً تميّزت به أفلامه منذ تسعينيّات القرن الماضي حتى اليوم، ومن بينها تماثلت أفلامه في السنوات الأخيرة أكثر وأعطت للأسلوب معالم صارت أفلامٌ أخرى، لا علاقة لألن بها، إن أظهرت هذه المعالم، تُشبّه بأفلام ألن تلك. من بينها أن يبدأ الفيلم بموسيقى جاز، وربّما مشهد خارجي في مدينة نيويورك، ثم يتكرّر الجاز والمشاهد في المدينة على طول الفيلم، إضافة لأمور أخرى تخصّ السيناريو ومستوى الحوارات واللعب على معاني الكلمات. آخر هذه الأفلام هو «هي غريبة بهذه الطريقة»، هذا عنوانه الأميركي الغريب، أمّا عنوانه الفرنسي الأقرب لمضمونه فهو «علاج برودواي».

يمكن القول أن الفيلم يذكّر بوودي ألن، وأنّ له أسلوبه الظاهر في ما ذكرته أعلاه وفي غيرها، لكنّه فيلم «وودي ألن لايت»، فيلم خفيف بالمقارنة مع سيناريوهات ألن المحكمة والذكيّة، هو أقرب لأفلام ألن من حيث الشكل والأسلوب وعموم حكاية الفيلم، وليس في تفاصيل السيناريو وبعض المسائل الإخراجيّة.

الفيلم من إخراج بيتر بوغدانوفيتش الذي عاد إلى الإخراج بعد انقطاع دام لـ ١٣ عاماً، بسيناريو شارك في كتابته وتركه جانباً منذ ١٥ عاماً. وهو، السيناريو، ما أقحم الفيلم، بإخراج وحكاية جيّديْن، في مَشاهد وحوارات بدت مفتعلة في وقت أريد لها أن تكون تلقائيّة وكوميديّة، دون أن يعني ذلك أنّ الفيلم لم يكن كوميدياً، أو مسبّباً للضحك، بلى، وإنّما كان يمكن أن يسبّب ضحكاً أكثر في مَشاهد أفسدتها بعض الأحاديث وردود الأفعال.

ينقل الفيلمُ حكايته على مستوييْن متجاوريْن، الأوّل هو لقاء صحافي مع إيزابيلا، الممثلة الهوليووديّة، تحكي فيه عن كيفيّة وصولها إلى التمثيل المسرحي ومنه إلى النجوميّة في هوليوود، المقابلة تمتد على طول الفيلم الذي نشاهد فيه أساساً حكايتها التي ترويها.

إيزي (إيموجن پوتس) التي ستصير إيزابيلا، تعمل كفتاة-تِلِفون، أي بائعة هوى إنّما ليست ممن يقفن في الشارع ولا ممن يعملن في بيت عمومي، بل يأتيها الطلب على الهاتف وتذهب هي إلى زبونها. يصل مخرج مسرحيّة إلى الفندق في برودواي للبدء في الإعداد لمسرحيّته، يتّصل بوكالة لفتيات-التِلِفون التي سترسل له إيزي بعد ساعة، للمخرج المسرحي أرنولد (أوين ويلسون) تجارب سابقة مع هذه الوكالة وفتياتها كما يبدو، وهذا ما سيكون عاملاً أساسياً في تطوّر الفيلم المبني على عدّة ذُرُوات متتالية. بعد بعض الوقت يقترح على إيزي أن يمنحها ثلاثين ألف دولاراً على أن تترك عملها وتتبع حلمها في أن تكون ممثلة. في اليوم التالي وخلال عملية اختيار الممثلين (الأوديشن) تصل إيزي دون أن تعرف هويّة المخرج الذي يتفاجأ بها ويحاول تفاديها لأنّ زوجته تعمل معه في المسرحيّة كممثلة في دور رئيسي. مؤلّف المسرحيّة يُعجب بإيزي ويدعوها للعشاء في مساء اليوم ذاته في مطعم إيطالي، في المطعم ذاته يعزم المخرج أرنولد زوجته، هناك سيلتقيان بمؤلف المسرحية وإيزي، سيرتبك أرنولد مجدداً، إيزي تفضّل الخروج، حبيبة مؤلف المسرحية (جينيفر أنستون) معالجة نفسيّة لإيزي، ستكون على طاولة مع أحد مرضاها، وهو قاضٍ مهووس بإيزي، فتاة-التِلِفون، وقد وظّف محقّقاً خاصاً لتتبّع إيزي التي تتفاداه، هذا المحقّق هو والد مؤلّف المسرحيّة، وكي يكتمل التداخل المعقّد لهذه السهرة يدخل بطل المسرحيّة مصطحباً إحدى فتيات-التِلِفون التي تتعرف على إيزي، وهذا الأخير على علاقة أصلاً مع زوجة المخرج أرنولد. قد يكون ذلك أقلّ تعقيداً في الفيلم من قراءته هنا، لكنّه تداخل جاهز لبناء مواقف وحوارات وردود أفعال كوميديّة، بالمعنى الذكيّ للكلمة. جمعٌ مماثل مُضاف عليه والدا إيزي، يتكرّر في المسرح أثناء التمرينات لاحقاً، وقتها سيعرف كل من في المشهد ما يفعله الآخر ومع من.

والذُرُوات الصغيرة المتتالية للفيلم في ما بعد هذه السهرة في المطعم، ستدور أكثر حول المخرج أرنولد وإيزي، الممثلة التي لم تعد بائعة هوى، ومعهما زوجته التي ستعرف بأمرهما باكراً. وارتباك أرنولد أمام زوجته ومحاولاته التوفيق بين هذه وتلك، على حدة، تزداد مع تقدّم الفيلم، أمّا انفضاح أمره فيأتي لعبارة يردّدها أرنولد على زوجته كما على جميع بائعات الهوى اللواتي رأينه وتعرّفن عليه في أماكن عامّة وذكّرنه بالعبارة وشكرنه على تبرّعه السخي لهنّ وتغييره بذلك حياتهنّ، وهو ما قاله ومنحه لإيزي التي تغيّرت حياتها كذلك وصارت ممثلة شهيرة تُجرى معها اللقاءات.

أمّا العبارة فهي أنّ «الناس تحب إطعام البندق للسناجب، لكن إن أسعدك أن تطعمي السناجب للبندق، من أنا لأقول لك أطعمي البندق للسناجب!». وهي عبارة فلسفيّة تتعلّق بمفهوم السعادة لدى الناس، وارتباطها بالرغبات الفرديّة بمعزل عن الرغبات الجماعيّة المسبقة والمتماثلة. والعبارة مأخوذة من فيلم «كلَني براون» (١٩٤٦) للمخرج الأميركي الألماني إرنست لوبيتش، تقول بأن السعادة تكون حيث نفعل ما نحبّ بغض النظر عمّا نفعله.

في المقابلة تتحدّث إيزابيلا عن الحظ والسعادة وتذكر شخصيّة هولي چولايتلي (أودري هيببرن) بطلة فيلم «فطور لدى تيفاني» (١٩٦١) لبليك إدواردز، التي كانت كذلك بائعة هوى وتعيش مستقلة وعفويّة، وتنتقل من مهنتها وعلاقاتها المتعدّدة إلى علاقة واحدة وجدّية، هنا في «علاج برودواي»، تسير إيزي في الخط ذاته، إنّما بنسخة نيويوركيّة حديثة وتداخلات أكثر تعقيداً وتأثيرٍ أسلوبيّ واضحٍ بوودي ألن، جعلت الفيلم بالمحصّلة كوميديا جميلة وخفيفة، وإن أردناها أن تكون أكثر ذكاءاً، دون إثقالها.

في القدس العربي

broad345654

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s